التراث العربي المسيحي القديم

الفصل الحادي عشر

الشرق المسيحي عشية الفتح الاسلامي

المقدّمــة

قرنان قبل مجيء الاسلام، كانت الكنائس الشرقية ممزقة بالجدلات اللاهوتية الكرستولوجية حول مشكلة اتحاد الطبيعتين الالهية والانمسانية في المسيح. وعلى اثر المجمعين المسكونيين في افسس سنة 431 وخلقيدونية سنة 451، انقسم المسيحيون تاى ثلاثة مذاهب رئيسية:

النساطرة الذين تبعوا نسطور، الذي رأى في المسيح شخصا بشريا وشخصا الهيا، ورفضوا وحدة الشخص المحددة في مجمع افسس؛

المونوفيزيون الذين رفضوا ثنائية الطبيعة المحددة في مجمع خلقيدونية وقالوا بطبيعة الهية واحدة في المسيح؛

الخلقيدونيون الذين قبلوا ثنائية الطبيعة المحددة في مجمع خلقيدونية، ورأوا ان في المسيح طبيعة بشرية وظبيعة الهية، وتبنوا المذهب الخلقيدوني، وهو المذهب الرسمي للامبراطور البيزنطي.

وبعد مرور مئة وتسعة وخميسن عاما على مجمع خلقيدونية، لم تضمحل تلك المناقشات بل ازدادت حدة. وكنت تجد في سائر الدوائر الكنسية انصارا متعصبين لكل من المذاهب الثلاثة. ففي ولايتي بابل وبلاد ما بين النهرين، الخاضعتين للساسانيين، كان مسيحيو جاثليقية قطيسفون نساطرة، في حين كان مسيحيو مفريانية تكريت من القائلين بالطبيعة الواحدة. اما في ولايات سوريا وفلسطين ومصر، الخاضعة لحكم البيزنطيين، فكان مسيحيو بطريركيتي انطاكية والاسكندرية ينقسمون الى خلقيدونيين وقائلين بالطبيعة الواحدة، وكان مسيحيو بطريركية القدس وحدها خلقيدونيين حصرا.

كان رؤساء الاكليروس والرهبان والمؤمنون، في سائر هذه الدوائر يتناحرون، ويتنازعون الاسقفيات والكنائس، والاديرة، ولا يتورعون عن الاستعانة بالسلطة المدنية، بيزنطية او ساسانية للتنكيل بالمسيحيين من الطوائف الاخرى.

اما في شبه الجزيرة العربية التي لم يكن فيها بعد وحدة سياسية قائمة، فكانت النسطورية قد تغلغلت شرقا، في مملكة اللخميين (وعاصمتها الحيرة)، وفي مناطق البحرين، وقطر، وعُمان، في حين دخلت عقيدة الطبيعة الواحدة الى الجنوب، الى مملكة بني الحارث (وعاصمتها نجران)، وامتدت شمالا في مملكة الغساسنة (وعاصمتها الجابية). غير ان المسيحية لم تنغرس في منطقة الحجاز، غربا، بصورة فعلية وان لم تكن مجهولة تماما، بل ظلت الوثنية سائدة لمدة عدة سنوات اخرى، انطلاقا من مركزها الديني مكة.

وعشية دخول الاسلام الى الشرق، عاد الجدال الكريستولوجي في تعليم رابع، تخيله سرجيوس بطريرك القسطنطينية، بهدف توفيق ما بين الخلقيدونية والقول بالطبيعة الواحدة. فعرض التمييز في المسيح طبيعتين في شخص واحد، ولكن بارادة او مشيئة واحدة وفعل واحد. دُعيت هذه العقيدة بالمونوتيلية، والتي أُدينت في المجمع المسكوني القسطنطيني سنة 681، حيث تمّ التأكيد على التعليم القائل بوجود طبيعتنين في شخص واحد مع فعلين ومشيئتين.
هذه الجدلات والاختلافات اللاهوتية ادت الى انقسامات، وهذه بدورها ادت الى ظهور اربع كنائس موزرعة على البطريركيات الثلاث: انطاكية والقدس والاسكندرية. كل واحدة من هذه الكنائس ادعت انها ارثوذكسية، واعطت الاخرى القابا اصبحت مسميات رسمية لها تحت الحكم الاسلامي.

معاملة بيزنطية للمنشقين

لجأ العديد من الأباطرة الرومان امثال يوستنيانوس الى استخدام وسائل العنف بهدف الحدّ من تنامي نفوذ المونوفيزيين ما دفع الكثير من رهبانهم للجوء الى الصحراء السورية، امّا في مصر فلم تتجرّأ السلطات البيزنطية على اضطهاد المونوفيزيين بوتيرة مرتفعة نظراً لما تمتّعوا به من سطوة في ظّل بطريركهم سيفيروس.

شهدت الأمبراطورية البيزنطية هدوءاً ملحوظاً في العام 527 بعد ان تبوأ يوستنيانوس – الذي كان في البدء متأثراً بمذهب زوجته تيودورا المونوفيزي- عرش السلطة، فحاول من جهته استمالة المونوفيزيين بعد التداعيات السلبية التي جلبتها سياسة اسلافه تجاه هؤلاء ما دفع الكثيرين منهم للإرتماء في احضان اعداء الأمبراطورية . فالحياد الإيجابي لم يكن ابداً من مميزات تلك الحقبة.

وقع يوستنيانوس في حيرة من امره، فالأرثوذكسيون لم يبايعوه بحماسة بسبب سياسته المعتدلة تجاه المونوفيزيين وهؤلاء لم يأمنوا له بل فضّلوا ان يكون ولاؤهم المطلق لزوجته تيودورا.

في العام 537م، وتحت وطأة الضغوطات الأرثوذكسية، جدد يوستنيانوس اضطهاد المونوفيزيين فسّن قوانين صارمة بحقّهم ، وقد برز في هذا الإطار بطريرك انطاكيا الارثوذكسي افرام الذي اشتهر بشدّة بطشه، فنما وتزايد الشعور بالحقد على الكنيسة البيزنطية واساقفتها.

انتقلت عدوى الاضطهادات الى مصر فتم التنكيل بالمونوفيزيين الذين هم بدورهم لم يوفّروا الأرثوذكسيين من انتقامهم.

في العام 538م توفي سيفيروس بطريرك المونوفيزيين في مصر فرّقاه الأقباط بعد موته الى مصاف الأبطال والقديّسين، وفي السنة عينها قام يوستنيانوس بعزل بطريرك الاسكندرية تيودور وعيّن مكانه بولس الذي شبّهه المصريون بيهوذا الاسخريوطي.

احتل الخلقيدونيون مقّرات المونوفيزيين، الروحية منها والزمنية، فامتلأت قلوب هؤلاء كرهاً على اولئك، لكنهم بالمقابل انشأوا كنائس سرّية مارسوا فيها طقوسهم الدينية. بلغ الاضطهاد اوجّه لدرجةٍ وصف فيها المؤرخ ميخائيل السوري ممارسات البطريرك بولس بالقول “انه كان يرمي بالمونوفيزيين بالمياه الساخنة لحرقهم وتشويههم”. 

ابولينيز الذي خلف بولس على بطريركية الاسكندرية اتبّع سياسة اكثر تشدداً فقضى من المونوفيزيين ابّان تبؤه سدّة البطريركية اكثر من مئتي الف شخص.
لم يغفر المصريون للبيزنطيين هذه الجرائم ، فاعتبروا يوستنيانوس سفّاحاً بحق الشعب القبطي. 

لم يكن الأمر اقّل تسامحاً مع الأمبراطور يوستنيانوس الثاني، ففي العام 572م ، وفي ظل تشدد الكنيسة الارثوذكسية واصرار بطريرك القسطنطينية، اُعيد العمل بالمبدأ القائل بوجوب توحيد الكنيسة عبر وسائل عنفية، فأُقفلت المعابد الدينية للمونوفيزيين واُعيد اشعال المحارق في كلٍ من سوريا ومصر.

مع تسلّم الأمبراطور تيباريوس مقاليد الحكم سنة 578م تراجعت حمّى الاضطهادات ما سمح للمونوفيزيين بإعادة التقاط انفاسهم والشروع بتنظيم انفسهم، الاّ ان جو التفاؤل هذا لم يدم طويلاً ذلك ان الاضطهادات قد بوشر العمل بها من جديد، واستمرت متقطّعة مع خلفاء تيباريوس.

الاجتياح الفارس

سنة 610 م تسلّم الأمبراطور هرقل زمام الحكم في بيزنطيا بعد الاطاحة بالامبراطور فوكاس، وممّا لا شّك فيه ان القلاقل والاضطرابات الداخلية التي كانت تعصف ببيزنطيا آنذاك قابلتها تهديدات خارجية مصدرها الشعوب السلافية والجرمانية على الحدود الشمالية، والامبراطورية الفارسية عبر الحدود الآسيوية الشاسعة مع بيزنطيا.

سنة 613 م شنّ الأمبراطور الفارسي كسرى الثاني هجوماً كاسحاً على الأراضي البيزنطية افضى الى اجتياح سوريا وفلسطين فاستولى كسرى خلاله على عود الصليب المقدّس من اورشليم ثم تابع في العام 618 زحفه باتجاه الاسكندرية.

لقد شكّل الاجتياح الفارسي خشبة الخلاص الوحيدة للشعوب المونوفيزية لرفع نير الاضطهاد البيزنطي عن كاهلها، وقد قوبل هذا الهجوم بجوٍ من الارتياح العام في صفوف المونوفيزيين، الذين قاموا بدورهم بالثأر من الكنيسة الارثوذكسية واتباعها عبر ردة فعل هستيرية اسفرت عن مقتل وتشريد الآلاف.

هذا فيما وهب الفرس املاك الكنيسة البيزنطية لحلفائهم المونوفيزيين- الذين حازوا على دعم شيرين زوجة كسرى المفضّلة التي كانت تدين بمذهبهم- بعد ان عاد معظم المنفيين منهم الى ديارهم.

سنة 627 م تمكّن الأمبراطور البيزنطي هرقل من هزم الفرس واسترداد عود الصليب المقدّس، فتراجع الفرس عن الأراضي التي احتلّوها اثر توقيعهم معاهدة مذّلة مع البيزنطيين.

المونوتيلية:

خرجت الأمبراطورية البيزنطية منهكةً من حروبها الداخلية والخارجية المتتالية، امّا الأمبراطور هرقل فقد تيقّن من جهته الى ضرورة رأب الصدع المتأتّي عن صراع بيزنطيا مع المونوفيزيين، فأتباع تلك العقيدة كانوا يستوطنون اجزاء شاسعة من اراضي الأمبراطوري.

سعى هرقل لإيجاد تسوية عقائدية بين اتباع المجمع الخلقيدوني الذين ينادون بطبيعتين في المسيح من جهة وبين المونوفيزيين الذين يقولون بطبيعة واحدة، من جهة اخرى. قضت تسوية هرقل باعتماد عقيدة “المونوتيلية” التي هي محاولة دمج بين النظريتين فأثمرت نظريته المعادلة التالية: للمسيح طبيعتان في شخصه وانما إرادةً واحدة.

انعكست محاولة هرقل تلك ايجاباً على صعيد العلاقة مع مونوفيزيي سوريا بعد معاهدة وقّعها الأمبراطور مع بطريرك انطاكيا قبل ان يرّكز هرقل جهوده لاستمالة مصر.

عبرّت الأمبراطورية البيزنطية عن اعتمادها للعقيدة المونوتيلية من خلال وثيقة الاكتيسيس التي اصدرها هرقل سنة 638 م والتي صدّق الشرق المسيحي بمجمله على مضمونها، في حين اعتبرها المونوفيزيون نصراً محققاً لهم. 

واجهت العقيدة الجديدة معارضة ارثوذكسية قادها بطريرك اورشليم سفرانيوس، إضافةٍ الى اسقف روما هونوريوس، ثم ما لبثت المونوتيلية ان تلاشت بعد الغزو الاسلامي لبيزنطيا، فعُقد اذ ذاك مجمع مسكوني سادس في القسطنطينية سنة 680/681 م حُرّم بموجبه اعتناق المونوتيلية التي اندثرت في الأرجاء المشرقية في ما عدا بعض الجيوب في سوريا الشمالية التي استمرت باعتمادها ومنها انبثقت الكنيسة المارونية لاحقاً.

بيزنطية والوثنية:

في ما يتعلّق بالوثنيين فالوضع لم يكن افضل حالاً لاسيّما بعد ان اغلق الأمبراطور يوستنيانوس الكبير مدرسة اثينا سنة 529 م فوضع بذلك حدّاً لمناظرات الفلسفة الاغريقية التي انتجت اعلاماً في الفكر الوثني في بيزنطيا.

خُيّر الفلاسفة البيزنطيون بين اتجّاهين: تقبّل سرّ العماد المسيحي ام المنفى، ففضّل سبعة منهم اللجوء الى بلاد فارس في ذمّة الأمبراطور الفارسي كسرى الأول الذي اعادهم الى بلادهم بعد توقيع معاهدة العام 532 م مع الأمبراطور البيزنطي التي اباحت لهؤلاء التمتّع بحريتهم في التعبير واعتناق المذهب الذين يرتأونه مناسباً.

البقيّة الباقية من الفلاسفة وتلامذة مدرسة اثينا آثروا اعتناق الدين المسيحي للنفاذ من القتل او النفي، هذا واطلقت الكنيسة الارثوذكسية حملة تبشير ضخمة هدفت لادخال الوثنيين في الدين المسيحي فاعتنق اكثر من سبعين الف وثني المسيحية على عهد يوستنيانوس، ومع مطلع القرن السابع الميلادي كانت معظم العقائد الوثنية قد اندثرت او شارفت على الانقراض.

بيزنطية واليهود 

عاش اليهود في ارجاء الأمبراطورية البيزنطية ضمن جماعات متمايزةٍ وشهدوا في ظلّ الأباطرة البيزنطيين فصلاً آخر من فصول الاضطهاد المرير الذي ميّز علاقتهم بالمسيحية الارثوذكسية.

هذا وتعرّض السامرّيون الذين يدينون بدورهم باليهودية وانما وفق بعض الطقوس والمعتقدات الخاصة، لحملة تنكيل وملاحقة شرسة، ما حدا بهم غالباً الى امتشاق السلاح واعلان العصيان المسلّح بوجه حكّامهم البيزنطيين .

سنة 529 م اضرم السامرّيون نيران ثورتهم في فلسطين، فهاجموا سكّانها الارثوذكسيين وهدّموا كنائسهم، ثم سمّوا عسكرياً بينهم، المدعو جوليان ، حاكماً لهم .

دفع تنامي نفوذ السامريّين، المدعومين من اليهود والهراطقة، بالأمبراطور يوستنيانوس الى تجنيد حملة عسكرية واسعة بمساعدة القبائل العربية المرابطة عند الحدود الفلسطينية، افضت الى قمع الثوّار بعد مقتل اكثر من عشرين الف سامريٍّ واسر عدد مماثل سُلّموا الى العرب او بيعوا عبيداً في اسواق النخاسة، امّا الباقين فقد اُجبروا على اعتناق المسيحية بحدّ السيف.

في العام 556 م انتفض السامريّون واليهود مجدداً، فارتّد الى ديانته اليهودية او السامرّية السالفة، من كان منهم قد اُجبر على تقبّل سرّ العماد، الاّ ان البيزنطيين تمكّنوا من قمع تلك الثورة بدموية، فيما حاول خلفاء يوستنيانوس لاحقاً ادخال هؤلاء في الدين المسيحي .

ان الاضطهاد والتنكيل الذي لحق باليهود سهّل للفرس الولوج الى اراضي الامبراطورية البيزنطية وتحقيق احلامهم التوسّعية صوب الشرق، ففي العام 613م اسهم اليهود بإضعاف مناعة الامبراطورية البيزنطية حينما انتفضوا بوجه الامبراطور عشيّة الغزو الفارسي للمنطقة، فانخرطوا في المذابح الدموية التي طاولت سكّان اورشليم ورهبانها الأرثوذكس كما قاموا باصطياد المسيحيين وتسليمهم للفرس عربون صداقة ووفاء.

مع عودة هرقل الى اورشليم اثر انتصاره الساحق على الفرس، حرّم عليهم ملازمة المدينة فتم إقصاؤهم عنها كما عن معظم الأراضي المُحيطة بالقبر المقّدس.

الدولة المسيحية

لماذا عاملت بيزنطية من لم يكن على المذهب الخلقيدوني او المسيحي هذه المعاملة؟ 

1) السبب الديني

سيطرت على روحية ذلك العصر نظرة آحادية للمهمة الموكولة الى الأمبراطور البيزنطي الا وهي السهر على نشر الايمان القويم داخل امبراطوريته وفي اصقاع المعمورة، فساد في بيزنطيا ذاك الشعور التي تميّزت به معظم الشعوب القديمة والذي استند الى قوة الهية لفرض سيادة الايمان الارثوذكسي وتسخير العقيدة الدينية خدمةً لمصالح الأمبراطورية.

الى ذلك اعتبر احد مؤرخي القرن الرابع اوسابيوس القيصري، ان الامبراطورية الرومانية والمعتقد المسيحي نبتتان نمتا جنباً الى جنب وعمّتا الكون، لقد قُدّر لهما ان تتحّدا الى الأبد فتضّما اليهما الجنس البشري بأكمله.

جاءت الديانة المسيحية لتفتح امام الأمبراطورية البيزنطية آفاقاً جديدة آمن بها جميع البيزنطيين لكونها مهمةً الهية مقدسّة، وبالتالي فقد توجّب على الأمبراطور اتّباع سياسة توسّعية تهدف لنشر الديانة المسيحية اينما امكن.

لقد تحوّلت بيزنطيا بحّق الى امّة مسيحية تسود فيها عقلية الحروب المقدّسة الهادفة لنشر الايمان. 

القانون البيزنطي العام اسُتوحي بدوره من المقررات الكنسية لمجمع نيقيا، كما حُددت مهمة الأمبراطور بالمحافظة على سلامة الكنيسة ووحدتها الدينية ، فشكّل هذا القانون بمضامينه “الفقهية”، الواجهة الطبيعية لمجمل الأحكام المدنية في بيزنطيا ، فهو- اي القانون- تحتّم عليه ان يكون ذا جذورٍ دينية، وهذا ما القى على كاهل الكنيسة البيزنطية مسؤولياتٍ عجاف، لا سيّما المتعلّق منها بحسن اختيار ممثلّيها من كهنة ورجال دين، اضافةً الى السهر على نشر القيم والأخلاق المسيحية الحقّة ، فضلاً عن شوؤن ادارية وعمرانية جمّة.

في العام 551 م اصدر يوستنيانوس وثيقةً اعلن فيها ان ما من شيء يُفرح قلب الله اكثر من رؤيته الكنيسة موحّدةً في إطار عقيدة واحدة جامعة تمحو الاختلافات التي تُبعد المسيحيين بعضهم عن البعض، كما اعتبرت الوثيقة كل امبراطورٍ يشّذ عن العقيدة القويمة ، متآمرٍ على الأمبراطورية ، فالهرطقة بالنسبة ليوستنيانوس تشكّل تهديداً مباشراً لوحدة ومناعة الأمبراطورية فهي بمثابة عصيانٍ وانقلابٍ على السلطة والدين المسيحي على حدٍّ سواء.
لقد رأى يوستنيانوس ان من واجب الأمبراطورية القضاء على الهرطقة ومحوها من الوجود ، مُصّنفاً في خانة الهراطقة كل مخالفٍ لتعاليم الكنيسة الارثوذكسية وايمانها القويم.

ان تشريعات يوستنيانوس بمعظمها، تحمل في طيّاتها حقداً دفيناً تجاه الهراطقة، فهو قد رماهم بكافة النعوت منكراً عليهم صحّة ايمانهم ومستهزأً في الوقت عينه بطقوسهم وشعائرهم الدينية.

لقد تحوّل الاضطهاد المُبرمج لمخالفي العقيدة البيزنطية اداةً قمعية لتثبيت دعائم الدولة والحكم، فيما تحّكم بخلفاء يوستنيانوس هاجس توحيد الأمبراطورية في ظل العقيدة الارثوذكسية معتبرين كل مناهضٍ لها، منشقّاً عن الأمبراطورية وخارجٍ على قوانينها وبالتالي توجّب معاقبته .
هذا وقضت تشريعات يوستنيانوس بحرمان هؤلاء من حقوقهم المدنية والسياسية على حدٍّ سواء، امتّد هذا الحِرم ليشمل الوظائف العامة كالمحاماة والتعليم وذلك خشية ان تتسرّب عقائد الهراطقة الى الباقين، كما حُظّر عليهم عقد الاجتماعات او الانتساب الى جمعيات فكان على الهراطقة توسّل سُبل الكنيسة الارثوذكسية وطرق بابها للاستحصال على مطالبهم.

صنّف القانون البيزنطي الهراطقة في المرتبة الثانية فعوملوا بدونية وتم حرمانهم من مكتسباتهم داخل الدولة، حتى ان شهادة الهرطوقي ضد الأرثوذكسي في ايٍّ من المحاكم البيزنطية لم يكن يؤخذ بها، كما ومُنعوا من الميراث، ولم يكن لأيٍ من ابناء عائلةٍ هرطوقية الحق في الميراث الاّ اذا اعتنق المذهب الارثوذكسي، امّا في الحالة السلبية قينتقل الإرث الى احد اقارب هذه العائلة ممن انتسبوا للكنيسة البيزنطية.

ان الاضطهادات لم تبلغ اوجها الاّ حين تيّقن الأرثوذكسيون ان كل المساعي الآيلة لاسترداد النساطرة والمونوفيزيين الى الحظيرة الأرثوذكسية باءت بالفشل، وفي العام 541 م تم تصنيف هؤلاء ايضاً في خانة الهراطقة، ولاحقاً، اي في العام 544 م صدرت وثيقة امبراطورية حرّمت عليهم إقامة شعائرهم الدينية او بناء ايٍ من كنائسهم ، فتحّول القانون المدني اذ ذاك قاسياً ومُجحفاً بحق المونوفيزيين .

اوقعت القوانين الارثوذكسية مخالفيها من الهراطقة واليهود والوثنيين والسامرّيين …بين فكّي كمّاشتها، ذلك ان بقاء هؤلاء على عقائدهم الدينية في ظل الامبراطورية البيزنطية بات وبالاً عليهم، بينما اعتناق المذهب الارثوذكسي لم يكن مسألةً اقل خطورة، اذ ان الكنيسة الارثوذكسية فرضت على معتنقي مذهبها من بين هؤلاء، شروطاً تعجيزية صعبة، تبدأ بمراقبة حياتهم الخاصة بكل تفاصيلها للتأكد من خلوّها من الهرطقات وتنتهي بفرض عقوبة الاعدام لمن عاد منهم وارتّد عن الارثوذكسية لمصلحة عقيدته السابقة.

2) السبب السياسي

كان الشرق ، عشية ظهور الاسلام، عرضةً للتناتش والتنازع بين قوتين رئيسيتين تقاسمتا النفوذ علي: الأمبراطورية الرومانية من جهة والفارسية من جهة أخرى وقد تحلّقت حولهما شعوب ومجموعات تدين لهما بالولاء وتنفّذ سياستهما التوسّعية واملاءاتهما دون تردد.

شمل هذا التناحر والتصارع البيزنطي-الفارسي جوانب سياسية واجتماعية شتّى تمظهرت حروباً عسكرية وقلاقل سياسية من جهة وصراعاً ثقافياً وحضارياً انعكس على انماط عيش الشعوب المتوسطية، تلك الأنماط التي سوف تشكّل فيما بعد العمود الفقري لنشأة الدين الاسلامي في العديد من جوانبه الدينية والاجتماعية.

شكّلت الامبراطورية البيزنطية الامتداد الطبيعي لحضارة روما العظمى الذي بسطت سلطتها على الحوض المتوسطي واسيا الصغرى بما فيها جزر البلقان التي حضنت النواة الأساسية للحضارة اليونانية، هذا في حين استمرت السيطرة البيزنطية على سوريا وشمال افريقيا لاسيما الديار المصرية.

احاط الأعداء بالأمبراطورية البيزنطية من كل الاتجاهات، فمن الشمال والهضبة الروسية كانت القبائل السلافية والجرمانية التي تدين بالمذاهب الوثنية او الآريوسية تشّن الغارة تلو الأخرى، البربر يهاجمون بدورهم انطلاقاً من الشاطىء والوسط الأفريقي، وبينما القبائل العربية – التي نجح بعض الرهبان المنفيين الى الصحراء العربية في استمالتها للمذهب المونوفيزي – تغزو عبر الحدود السورية الفلسطينية المتاخمة للجزيرة العربية.

دانت الأمبراطوية البيزنطية بالعقيدة الأرثوذكسية بصفتها مذهباً رسمياً لها، من خلال هذه العقيدة استلهمت بيزنطيا روحية تشريعاتها واساليب الحكم فيها، وفي مواجهة الكنيسة البيزنطية نشأت الكنائس اليعقوبية في سوريا والقبطية في مصر .

لقد تحوّلت مصر في ظلّ الأمبراطورية البيزنطية الى “امّةٍ” قائمةٍ بحّد ذاتها ذلك ان العرق القبطي حافظ على نقاوته وتمايزه، امّا في سوريا، حيث شعبها اقّل تشبّثاً بأرضٍ او بجغرافية محددة، فلقد نبت الشعور الوطني وازهر بأشكالٍ متعددةٍ.

بيزنطيا من جهتها رفضت الإقرار بحق تلك البلدان والشعوب في التمايز، لا بل سعت الى بسط سلطتها ونفوذها عليهم اكثر فأكثر.

انتظر السريان والأقباط اللحظة التاريخية الملائمة للإنقضاض على الأمبراطورية البيزنطية، إذ لطالما أمِلوا بتضافر جهود المونوفيزيين من خلال تعاضد شعبيهما بهدف التصدّي لأطماع سلطة بيزنطيا المركزية.

ان اعتناق الشعب القبطي للمونوفيزية لم يكن سوى تعبيرٍ عن الحقد الذي يكتنهه قلبهم لليونان، امّا في سوريا فلقد ضوت المونوفيزية الى صفوفها نخبةً من المفكّرين واللاهوتيين من امثال سيفيريوس بطريرك انطاكيا ويعقوب البرادعي مؤسس اليعقوبية .

فضح الاختيار العقائدي لتلك الشعوب ما ابطنته قلوبهم من كرهٍ للسلطة المركزية البيزنطية، فتحوّلت العقائد الدينية مرّة اخرى مطية لتحقيق المآرب السياسية.

تلطّى الأقباط والسريان خلف ستار المونوفيزية لتمرير مشاريعهم السياسية والتحرر من سيطرة اليونان، فأضحت محاولة دمج هؤلاء في النسيج الاجتماعي لبيزنطيا مسألةً مستعصية وبخاصةٍ بعد ان تحوّلت الأخيرة، في ظلّ العقيدة الارثوذكسية، الى دولة دينية ارثوذكسية بحتة يتزّعهما الأمبراطور الذي كان بدوره رأس الكنيسة الفعلي، يدعو الى المجامع الدينية ويملك الكلمة الفصل في صياغة مقرراتها المسكونية.

ان سعي بيزنطيا للقضاء على المونوفيزية وحّد المقاطعات الشرقية في انتظار لحظة الانفصال عن الأمبراطورية لاسيّما بعد تبلور هذه الفكرة في اذهان شعوب مصر وسوريا بأشكالها النهائية.

خاتمة الفصل

اخفقت الأمبراطورية في استمالة الشعوب المونوفيزية الراضخة قسراً لسيطرتها فتوسّلت العنف سبيلاً لذلك، الاّ انها اوقعت نفسها في مأزق حاّد بعد ان عجزت عن تحقيق اهدافها.

ولاحقاً تمكّن الاسلام من تدارك هذه المسألة والنجاح بحّل بعض جوانبها.

ادّى تراكم تلك المسائل الخلافية الى تسريع انفصال المقاطعات الشرقية النهائي عن بيزنطيا، فالأوضاع السياسية والاجتماعية في مصر وسوريا آنذاك كانت على قدرٍ كبيرٍ من التشابه مع حال القوميات والشعوب الساعية للتحرر من طغيان السلطنة العثمانية في نهايات القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين.

نضجت بفعل ذلك، العوامل المُمّهدة لبروز الاسلام، الذي قُيّض له، في ظّل هذه الظروف التاريخية المؤاتية، من فتح سوريا ومصر فتحاً يسيراً…

لا يمكنك نسخ المحتوى