مار سابا رئيس الدير

mar-saba (3)

مار سابا، رئيس الدير

ولد في قريةٍ قرب قيصرية قبادوقيا عام 439. جاء القدس وهو في الثامنةَ عشرةَ من عمرِه، ليزورَ الأماكنَ المقدسة، وفي نفسه رغبةٌ شديدةٌ في الزهدِ وحياةِ النُّسك، فأقام مع القديس أفتيميوس في ديرٍ كبير، أُطلِقَ عليه اسمُه في ما بعد، وعُرِفَ باسمِ “دير مار سابا”. سِيمَ كاهنًا على يدِ سالوستيوس بطريرك القدس. ورُقِّيَ بعد سنواتٍ قليلةٍ إلى رتبةِ الأرشمندريت، ثم اختِيرَ رئيسًا على النساك. في الاضطراباتِ التي عَقِبَتِ التعاليمَ المونوفيزية، كانَ مار سابا رئيسًا للرهبان في فلسطين، الذين ساندوا المجمع الخلقيدوني. توفي عام 532.

من سيرة مار سابا

كتبها كيرلس البيساني (نسبة إلى مدينة سيتوبولس أي بيسان)

(“آثار الكنيسة اليونانية للكاتب Cotelier، المجلد الثالث، باريس 1686، ص 220 وما يليه).

تبارَكَ اللهُ أبو ربِّنا يسوعَ المسيحَ الذي حملَ قداستَكم وفضيلتَكم على أمرِ حقارتي بأن أكتُبَ أحاديثَ القدّيسَيْن أفتيميوس وسابا وسِيرتَهما، لحمدِ الله وتسبيحِه.

كتبْتُ عن أبينا المكرَّمِ أفتيميوس بعضَ الأمور، ولو أنّها قليلةٌ ولا تَفِي روحَه الكبيرةَ حقَّها. والآن أنا مدعوٌّ إلى أن أكتبَ بعضَ الأمورِ عن أبينا سابا، وقد أخَذْتُها بعناءٍ وعنايةٍ عن رجالٍ قدّيسِين صادقِين، كانوا تلاميذَ له، ورفقاءَ جهادِه، وما زالوا حتى اليومَ يقتدون بطريقةِ حياتِه.

سابا ملاكٌ على الأرضِ، وإنسانٌ يعيشُ في السماءِ، حكيمٌ ومعلِّمٌ خبيرٌ، وحامي العقيدةِ القويمةِ ومقاومٌ أمينٌ للتعاليمِ المغلوطةِ. وقد ظهرَ أنّه مدبِّرٌ فَطِنٌ، يعرفُ كيف يستثمرُ المواهبَ الإلهيّةَ. تسربَلَ بالفضيلةِ بقوّةٍ من العَلاءِ. وبمشيئةِ اللهِ الآبِ، وبنعمةِ يسوعَ المسيح، وبإلهامِ الروحِ القدُسِ، ملأَ البرّيّةَ بجماهيرِ النسّاكِ، وأنشأَ فيها سبعةَ أديرةٍ شهيرةٍ، بالإضافةِ إلى ديرَيْن قديمَيْن دعمَهما بالقوّةِ نفسِها، وهما ديرُ القدّيسِ أفتيميوس وديرُ القدّيسِ تيوكتيستس.

لمّا تولّى رعايةَ هذه الأديارِ، لم يَقدِرْ أن يوفِّرَ لها أيَّ وارداتٍ منتظمةٍ. ولكنّه وضعَ كلَّ ثقتِه بالله، فلم يستسلِمْ قط لِغَمِّ الهمومِ، حتى في زمنِ المجاعةِ.

ولمّا كانَ أبونا سابا رئيسًا على هذه الأديارِ، كانَ يحُثُّ النسّاكَ على ألا يهتمّوا أبدًا للأمورِ الجسديّةِ، وكانَ يذكِّرُهم دائمًا بقولِ الرّبّ: “لا تَهتَمُّوا فَتَقُولُوا: مَاذَا نَأكُلُ أو مَاذَا نَشرَبُ؟ وَمَاذَا نَلبَسُ؟ أبُوكُم السَّمَاوِيُّ يَعلَمُ أنَّكُم تَحتَاجُونَ إلَى هَذَا كُلِّهِ. فَاطلُبُوا أوَّلا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ تُزَادُوا هَذَا كُلَّهُ” (متى 6: 31-33).

هذا ما كانَ هذا الشيخُ الإلهيُّ يشعرُ به ويعلِّمُه. وكانَ يُلقِي همَّه وكلَّ شدّةٍ يواجهُها على الله: بحيثُ إنَّ الأديرةَ التي كانَ لها وارداتٌ كانَتْ تتعرَّضُ للضِّيقةِ والحاجةِ أكثرَ من الأديرةِ التي كانَ هو يعتني بها.

جاهدَ أبونا سابا الجهادَ الحسنَ، وأتمَّ شَوْطَه وحفِظَ الإيمانَ، فنالَ إكليلَ البِرِّ. وكانَتْ وفاتُه في اليومِ الخامسِ من شهرِ كانون الأول.

وإليكَ ملخَّصَ حياتِه الزمنيّةِ في الجسدِ: جاءَ إلى فلسطين وهو في الثامنةَ عشرةَ من عمرِه، وبقِيَ في الديرِ مدّةَ سبعَ عَشْرَةَ سنةً، وقضى في البرّيّةِ وفي مجمّعِ المناسكِ الكبيرِ تسعًا وخمسين سنةً. وتُوُفِّيَ في سنِّ الرابعةِ والتسعين.

ذاعَ نبأُ رقادِه في المناطقِ المجاورةِ كلِّها، فتوافدَتْ جموعٌ كبيرةٌ  من النسّاك والمؤمنين. وحضرَ البطريركُ القدّيسُ بطرس مع الأساقفةِ ورؤساءِ المدينةِ المقدّسةِ. فدُفِنَ جسدُه بحفاوةٍ عظيمةٍ في مجمّعِ المناسكِ الكبيرِ.

إنَّ هذا القدّيسَ لم يَمُتْ، ولكنَّه رَقَدَ في الربِّ، كمِثلِ كلِّ مَن يسيرُ سيرةً لا عيبَ فيها، كما كُتِب: “أمَّا نُفُوسُ الأبرارِ فَهِيَ بِيَدِ اللهِ، فَلا يَمَسُّهَا أيُّ عَذَاب” (حكمة 3: 1). وما زالَ جسدُه محفوظًا في قبرِه حتى اليومِ صحيحًا لم يصِل إليه الفناءُ.

[nggallery id=316]

Share on facebook
Facebook
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
لا يمكنك نسخ المحتوى