التراث العربي المسيحي القديم

الفصل الثامن عشر

دراسات حول بعض اللاهوتيين العرب

(6) عمّار البصريّ

من كتاب “كتاب البرهان وكتاب المسائل والأجوبة لعمّار البصري، ( ضمن سلسلة بحوث ودراسات
الحايك ميشال / المجلّد الخامس/ معهد الآداب الشرقية ، دار المشرق، بيروت، 1986.)
(نشرة”رعيتي” للروم الارثوذكس بيروت)

1- حياته

من هو: عمّار البصري اسم مجهول المسمّى. لا نعرف عنه إلاّ القليل عن طريق ما سُلِِمَ له من هذين الأثرين: “كتاب البرهان على سياقة التدبير الإلهي” و “كتاب المسائل والأجوبة” في مخطوطة يتيمة محفوظة في مكتبة المتحف البريطاني تحت رقم 801 من المخطوطات العربية.

عن حياته، لم يكتب عنه احد، او نجهل ذلك في الوضع الحالي للمعلومات التي لدينا. كيف لم يلفت اليه نظر المؤرخي كنيسة سورية وما بين النهرين. وبالمقابل فان الاقباط هم الذين انقذوا هذا العمل من النسيان. فقد أدرك أبناء العسّال الأقباط قيمة عمّار البصري: فأبو إسحق بن العسّال ذكره في “مجموع أصول الدين” مُغدقاً عليه نعوت التعظيم. والأسعد بن العسّال ذكره في مقالته عن النفس التي كتبها سنة 1231. والصفيّ أبو الفضائل بن العسّال إختصر الكتابين “مع تهذيب وزيادة لاحت في أثناء الإختصار وميل عن الرأي النسطوري وليس إلى ما يناقضه بل على ما يجوز للفرق الثلاث القول به”.

ولكن ما من أحدٍ أفادنا جديداً عن شخصية عمّار البصري ولا عن ظروف مكانه وزمانه وحياته وأثاره الأخرى. واسمه يبقى مشكلة. أتراه حقيقياً أم مستعاراً للتضليل لئلا يُعرف صاحبه؟ ولكن ما الغاية من التخفي؟ أتراها الخشية من هول السلطان، مع أنه لا يسيء لأحد في كلامه أو في كتاباته. 

لنقل أن عمّار هو اسمه الحقيقي. والبصري نسبة إلى البصرة، وهي مدينة شهيرة بموقعها. وهي كذلك مركز اسقفي عند النساطرة منذ اوائل القرن الثالث. وإذا صحّ أن يكون مؤلّفنا هو بصريّ وأنّ عمّار هو اسمه العالمي، فهل وراء هذه اللقب أسم كنسي يحجب وحه أحد أحبار الكنيسة النسطورية؟ لايمكن الأخذ بهذا الإفتراض دون أن تثبت لنا فيه حجة سوى أنّ الرجل متمرّس بعلم اللاهوت، مُحنّك بالمنطق الإغريقي، وعارف بأدق دقائق الدين. 

2- المكان والزمان:

المكان: البصرة. امّا الزمان؟ في الكتابين إشارات نستقرئها، فنستمدّ منها حجة قاطعة لتحديد زمن عمّار. وقد إهتدى التنقيب إلى حصر زمنه في الثلث الأول من القرن التاسع، يوم كانت بغداد على وشك أن تصبح مختبراً للقاء الحضارات، وبينما كان النساطرة يُبايعون خلفاء على العلم والمعرفة.

لقد ثبت من الإشارات والحوادث الواردة في كتبه أنّ عمّار عاش في زمن المأمون والمعتصم. وأنّه مُعاصر لأسقفين شهيرين، هما: أبو قرّة الملكي (+ 825) أسقف حرّان، وأبو رائطة اليعقوبي (+ 829) أسقف تكريت، وكلا الأسقفين ناظرا المسلمين في الشؤون الدينية وتركا لنا أولى الآثار المسيحية العربية في هذا المجال. 

3- مؤلّفاته:

ليس لدينا قائمة كاملة لمؤلّفات عمّار البصري، ولم يسلم له من المؤلفات سوى أثرين. والكتابان هما من جملة الآثار المسيحية التي سلمت من التلف على يد الأقباط. فالناسخ القبطي خطّهما عام 1298 في الجودرية وهي حي من أحياء القاهرة. أمّا المخطوطات التي آلت إلينا بالعربية فهي:

(1) “كتاب البرهان على سياقة التدبير الإلهي”: وهو جواب على نقائض الإسلام للمسيحية. ولكنه لا يكتفي بدفع الإلتباس وردّ الشبهة، بل هو محاولة لإجلاء الحقّ على ضوء “سياقة التدبير الإلهي”: اثبات وجود الله والدلائل على ان المسيحية هي الدين الحق، وفي التثليث والاتحاد واثبات التجسد والصلب وفي المعمودية والاخرة. 

(2) “كتاب المسائل والأجوبة”: هذا الكتاب هو معجم للإعتراضات التي يثيرها العقل بوجه الإيمان، وجواب من العقل نفسه، عندما يُروّضه الإيمان، حتّى “تتبدّد خطرات الشكّ، وتشبع القلوب يقيناّ”. فيتألف من اربع مقالات: في تثبيت قِدم الخالق ووحدانيته واثبات حدوث العالم (أي خلقه)، في تثبيت الانجيل المقدس، في تثبيت وحدانية الخالق بثلاثة اقانيم، وفي سبب تجسد الكلمة. ويقول كاتبنا في بداية الكتاب الثاني ان الغاية من كتابه هي “الاحتجاج في أمر الخالق تبارك وتعالى، والقول في تصحيح وحدانية ربوبيته جل ثناؤه وتقدست اسماؤه، وإقامة الحجة به على اهل الجحود له، والتسليم لتدبيره”. مقدمة هذا الكتاب تدل على ان عمارا كان يعرف القرآن والتفسير وعقائد المسلمين جيدا. وكان يلمّ بالعربية.

4- مكانته ودوره:

لم يكن عمّار البصري غريباً عن مشاكل كنيسته وعصره. ولقد عالج مختلف العقائد المسيحية الأساسية، التي كانت على الدوام وإلى اليوم عُرضة للعديد من أنواع الرفض والتشكيك والسخرية من قِبَل أعداء المسيحية.

ويشكّل عمّار البصري مع الأسقفين الشهيرين (أبي قرّة وأبي رائطة) “ثُلاثياً” يُمثّلون الفرق المسيحية الكبرى ويعرفون التراث المسيحي بلغة السريان واليونان. ولقد أطلقوا دون شكٍّ بالعربية قضايا الفلسفة واللاهوت الكبرى التي سيعالجها من بعد أهل الحكمة وأهل الكلام في الإسلام، على أساس عقلاني بعد أن طاعت لهم المصطلحات المنطقية المنقولة عن السريانية واليونانية.

ولقد دارت بين الأدباء والمفكرين العرب من مسيحيين ومسلمين محاورات ومجادلات كثيرة بين أخذٍ وردّ. والردّ يفترض الإطّلاع الإضطلاع. وهكذا فإنّ تلك المحاورات والنقائض والمجادلات، مع ما فيها من حجج وأدلّة، طوّعت اللغة العربية للمصطلحات الفلسفية واللاهوتية وفتحت للتراث الديني المحصور بعد القرآن والحديث نوافذ جديدة ومعضلات ومسائل ومشاكل سوف تتضارب حولها الفِرَق ويبني فوقها الفكر الإسلامي كلامه وحكمته وتصوفه.

فعمّار البصري، وهو أول من كتب بالعربية مجموعة جدلية بهذه الضخامة، هو إذاً صاحب أثرٍ بعيدٍ في تنمية الفكر الفلسفي، وتوعية الوحي الديني على متطلبات العقل. يكفي أن نقول أنّه فريد من نوعه في ذلك العصر المأموني الخصيب. فلا أبو رائطة، على ما له من عمق وسلامة، ولا أبو قرّة، مع ما هو عليه من غزارة ومرونة، بلغا شأنه في الإحاطة المنطقية بالموضوع وفي إبتكار المفردات. فلقد إستنبط على سبيل المثال لا الحصر من لفظة إنسان “أنسنة”، “تأنسن”، “تأنّس”، “أنوسة”، “إنسيّة”. وله ابدعيات في هذا المجال: “أنيّة “(من “أنا”)، “مائيّة” “ماهيّة” (من “ما”) “إبنيّة” (من “إبن”)، إلخ … وهو أول كاتب بالعربية جرى تحت قلمه هذا السيل من الألفاظ الثريّة. ولقد كان مضطلعاً على الفلسفة والفكر اليوناني كما يظهر ذلك جليّاً في طريقة كتابته ومنطقه. كذلك كان عمّار البصري النسطوري يعرف عقائد الفِرَق المسيحية على إختلافها (مرقيون وماني وزرادت ) ، فينقضها أو يشير إليها أو يحاجّ فيها . 

ثمّ انه قرأ القرآن لما يذكر من آياته على نصها ومن تفسير المسلمين لها حيناً. وهو على كل حال يعرف كل مآخذ الإسلام على عقائد المسيحية وممارستها، فيردّ على الإعتراض بإعتراض مماثل ويُرفقه بحجة العقل ونصوص الوحي.

أخيراً عمّار البصري فكر أنيق لا ينحطّ مرة عن مستوى الجدل الرفيع، فهو أرقى من يُمثّل التخاطب المسيحي الإسلامي. وهو يُعلمنا درساً ويزيدنا يقيناً، بضرورة تعمير البيت المسيحي الإسلامي الذي يجب ان ترتفع عواميده الفكرية والدينية حتى العقد والعهد

5- اهمية انتاجه

في نهاية هذا البحث الذي إستطعنا من خلاله أن نُلقي نظرة سريعة على الأدب العربي المسيحي، الذي تميّز بالزخم والغنى اللاهوتي بكافة فروعه ومواضيعه. ولقد أصبح هذا اللاهوت في العصر الذهبي مرتبطاً بالقياس الفلسفي وبالغنى الكتابي وبالميزة الدفاعية. وكان هذا اللاهوت بالرغم من تنوعه طريقاً للوحدة، لأنه كان مبنياً على أساس لغة واحدة ما زالت إلى يومنا هذا حيّة ومنتشرة. 

ولقد أثر هذا النتاج الفكري واللاهوتي في تاريخ العلاقة المتبادلة بين المسيحيين والمسلمين في الشرق، وفي بث روح التآخي والتلاقي بالرغم من الإختلافات الظاهرية الكثيرة فيما بينهم. ولقد كان لعمّار البصريّ دور بارز في هذه المسيرة. فلقد ناضل في حياته على الجبهة الخارجية، تجاه الدين الإسلامي المنتصر الذي بدأ يضغط إجتماعياً وفكرياً على المسيحيين، حاول إظهار دعائم حقيقة الديانة المسيحية وإيضاح عقلانية معتقداتها. لسنا ندري ما إذا تمكن من إقناع محاوريه المسلمين. إلا إنه في كل حال تمكن من أن يفرض على محاوريه إحترام المعتقد المسيحي فقوى معنويات أبناء دينه المستضعفين وثبتهم في إيمانهم.

ولا شك أن عمّار البصريّ مفكّر كبير، له شخصية مميزة وأهداف سامية وأفكار خاصة. ويبدو لأول وهلة أن عمّاراً يجمع في شخصه الفيلسوف واللاهوتي. فالمسائل التي يطرحها تهم كل من الناحيتين. والأسلوب الذي يعتمده منوط بالقياس الفلسفي والتأمل اللاهوتي معاً.

إلا أن هدف عمّاراً الأول ليس البحث الفلسفي ولا التعمق في اللاهوت. إنما الحافز العميق الذي يدفع عمّاراً في كتاباته، إنما هو إختباره لحياة الإيمان ضمن كنيسة المسيح. وهذا الإيمان وإن كان مغلقاً على من هم في الخارج، ويسمو على العقل، ففي العقل إنفتاح على الإيمان. لذلك يقدم أبي قرة الإيمان لهم في بعده العقلاني.

وقد حاول أن يظهر أن العقل البشري، بتفكير في معطيات الطبيعة، واختبار الإنسان الذاتي، يجد تناسقاً عميقاً بين متطلباته ومعطيات الإيمان. وهذا التلاقي دلالة تشفع في صحة الديانة المسيحية، التي هي في الوقت نفسه الديانة التي أوحاها الله وأرادها للبشرية، والتي تحقق فوق كل توقع، أعمق رغبات الإنسان. والآن، بعد مضي إثني عشر قرناً من الزمان، لا يزال لكلام عمّار البصريّ واقع عميق في قلوبنا وعقولنا

لا يمكنك نسخ المحتوى