شهر العذراء: مريم أم بتلِم

Mary-mother-of-god

مريم أم بتلِم

الأب رائد أبو ساحلية

كاهن رعية العائلة المقدسة في رام الله


 

إن مريم العذراء بكلمة “انا أمة للرب” شاركت في التدبير الخلاصي، أي بخضوعها لله تعالى، ولهذا فان الكنيسة تكرمها وتطلب شفاعتها بكونها والدة الله. حتى ان المسيح نفسه قد فعل رغبة أمه أثناء عرس قانا الجليل، لهذا ان الكنيسة تكرمها منذ القدم وقد خصصت لها صلوات وساعات وايام واسابيع واشهر لتكريمها.

إن شهر أيار هو الشهر الذي خصصته الكنيسة المقدسة لإكرام أمنا مريم العذراء، فهو شهر الورود والجمال والحياة والتجدد، فكما أن الورد في شهر أيار يملأ الدنيا عطراً وجمالاً، كذلك أمنا العذراء يفوح عطر قداستها وشفاعتها في سماء الكنيسة المقدسة والعالم أجمع.

في هذا الشهر يُظهر المؤمنين عاطفتهم البنوية للبتول مريم، وهي بدورها تُظهر عاطفة الأمومة لكل من إتخذها شفيعة وإحتمى بكنفها فهي ملجأ الجميع.

في شهر أيار وفي كل مساء تدعو الكنيسة المؤمنين للقاء العذراء، أم المؤمنين لكي يرتلوا لها أناشيد الفرح وصلاة الوردية وطلبة العذراء والقراءات المخصصة لشهر العذراء مريم.

إن إكرام العذراء مريم في شهر أيار هو تقليد غربي ومن ثم إنتقل إلى الشرق، فبعض المؤرخين ينسبون نشأته إلى الطوباوي هنري (+1365)، غير أن ممارسة شهر أيار كما يعرفها العالم اليوم نشأت في ايطاليا في عام 1784 علي يد الكاهن لويس ريشولي . ومن ثم إنتشرت ممارسة الشهر المريمي في كل دول أوربا وأمريكا والعالم أجمع.

إن الليتورجيا، والآباء الشرقيون يشيدون بقداسة العذراء، والكنائس الشرقية منذ القدم تكرم العذراء مريم في الطقوس الكنسية والصلوات مريم، حيث يقول القديس مار افرام السرياني(+373) ان العذراء مريم هي التابوت المقدّس، والمرأة التي سحقت رأس إبليس، والطاهرة وحدها نفسًا وجسدًا، والكاملة القداسة، وإذ يقابل بينها وبين حوّاء يقول: “كلتاهما بريئتان، وكلتاهما قد صنعتا متشابهتين من كل وجه، ولكنّ إحداهما صارت من بعد سبب موتنا والأخرى سبب حياتنا”. ويقول في موضع آخر: “في الحقيقة، أنت، يا ربّ، وأمّك جميلان وحدكما من كل وجه وعلى كل صعيد، إذ ليس فيك، يا ربّ، ولا وصمة وليس في أمّك دنس ما البتة”.

والقدّيس يوحنا الدمشقي (+ 749) يعلن أنّ مريم قدّيسة طاهرة قبل البشارة “إذ إنّها حرصت على نقاوة النفس والجسد كما يليق بمن كانت معدّة لتتقبّل الله في أحشائها.” واعتصامها بالقداسة مكنّها أن تصير هيكلاً مقدّسًا رائعًا جديرًا بالله العليّ”. ومريم طاهرة منذ الحبل بها: “يا لغبطة يواكيم الذي ألقى زرعًا طاهرًا! ويا لعظمة حنّة التي نمت في أحشائها شيئًا فشيئًا ابنة كاملة القداسة”. ويؤكّد أنّ “سهام العدوّ الناريّة لم تقوَ على النفاذ إليها”، “ولا الشهوة وجدت إليها سبيلاً”.

إنّ المجمع الفاتيكاني الثاني، يحثّ المؤمنين على تكريم مريم العذراء تكريمًا خاصًّا، موضحًا طبيعة هذا التكريم وأساسه، والاختلاف الجوهري بين هذا التكريم وعبادة الله، فيقول: “إنّ مريم قد رُفعت بنعمة الله، وإنّما دون ابنها، فوق جميع الملائكة وجميع البشر بكونها والدة الإله الكلّية القداسة الحاضرة في أسرار المسيح. لذلك تكرّمها الكنيسة بحقّ بشعائر خاصّة. والواقع أنّ العذراء الطوباويّة، منذ أبعد الأزمنة، قد أكرمت بلقب “والدة الإله”. والمؤمنون يلجأون الى حمايتها مبتهلين إليها في كلّ مخاطرهم وحاجاتهم. وقد ازداد تكريم شعب الله لمريم ازديادًا عجيبًا، خصوصًا منذ مجمع أفسس، بأنواع الإجلال والمحبّة والتوسّل اليها والاقتداء بها، محقّقًا بذلك كلماتها النبويّة: “جميع الأجيال تطوّبني، لأنّ القدير صنع فيّ عظائم” (لو 1: 48).

ويضيف المجمع: “هذا الإكرام، على النحو الذي وُجد عليه دائمًا في الكنيسة، يتّصف بطابع فريد على الإطلاق. غير أنّه يختلف اختلافًا جوهريًّا عن العبادة التي يُعبَد بها الكلمة المتجسّد مع الآب والروح القدس، وهو خليق جدًّا بأن يُعزَّز: إذ إنّ مختلف صيغ التقوى نحو والدة الإله التي تظلّ في حدود التعليم الأرثوذكسي السليم، وتوافق عليها الكنيسة مراعية ظروف الزمان والمكان وأمزجة الشعوب المؤمنة وعبقريّاتهم، تجعل أنّ الابن الذي لأجله وُجِدَ كلُّ شيء (1كو: 15-16)، والذي ارتضى الآب الأزلي أن يحلّ فيه الملء كلّه (كو 1: 19) يُعرَف ويُحَبّ ويُمجَّد ويُطاع في وصاياه من خلال الإكرام لأمّه”.

يقول المثل العربي” الأم بتلم” أي أنها تجمع أبناءها كما تجمع الدجاجة فراخها، وبالفعل فإن العذراء أمنا هي التي تجمعنا كل مساء لنعيش معها هذه الأوقات الجميلة وألسنتنا تلهج بإكرامها، لذا لنُسارعن بالمشاركة في هذه الصلوات الجميلة مع الجماعة المسيحية، فالعذراء هي أم الكنسية لأنها رافقت ولادة الكنيسة في العلية قبل حلول الروح القدس اذ نقرأ “بأن جماعة الذين آمنوا كانوا يواظبون على الصلاة بقلب واحد مع مريم أم يسوع” وهي التي رافقت انطلاقة الكنيسة يوم حلول الروح القدس وترافقها الى يومنا هذا.

وإذا لم تتمكن من الحضور يومياً الى الكنيسة تستطيع أن تجمع عائلتك في البيت وتصلي أمام أيقونة العذراء ولو بيت واحد من المسبحة، وبالتالي يتحول بيتك الى “كنيسة بيتية”، وعائلتك الى “عائلة مقدسة” متماسكة، فالعائلة التي تصلي متحدة تعيش متحدة دائما.

لنتقدم من العذراء مريم أم المعونة بكل ثقة ومن دون تردد ملتمسين منها الشفاعة والعون، سائلينها أن تطلب من ربنا يسوع، أن يحفظ عائلاتنا، أطفالنا شبابنا شيوخنا، ويرحم أمواتنا، ويصون أديرتنا وكنائسنا، ويمنح الجميع نعمة الثبات والإيمان.

 

Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
لا يمكنك نسخ المحتوى