رسالة عيد الميلاد لأبينا البطريرك فؤاد جزيل الوقار

pat-natale2013

فخامة الرئيس، السيد محمود عباس، رئيس دولة فلسطين،
دولة رئيس الوزراء، السيد رامي الحمد الله،
معالي السيد ناصر جوده، وزير الخارجية الأردني، ممثلاً عن جلالة الملك عبد الله الثاني والوفد المرافق له،
سعادة السيدة كاثرين أشتون، المفوضة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية،
معالي السيد تيتوس كورالتين، وزير الخارجية الروماني،
سعادة رئيسة بلدية بيت لحم السيدة فيرا بابون،
السادة والسيدات السفراء والقناصل وسائر ممثلي الدول والكنائس،
الحجاج الكرام،
الأبناء الأحباء المؤمنون والمؤمنات،

من مغارة بيتَ لحم، أحييكم جميعاً تحية الميلاد والفرح والمحبة، تحية الرجاء بغدٍ أفضل ملؤه السلام والوئام والصحة الجيدة.

سيادةُ الرئيسِ محمود عباس، نشكركم لحضوركم اليوم مع وفد رفيع المستوى من حكومتكم الموقرة، ونصلّي من أجلكم، حتى تواصلوا مهمتكم في إحقاق الحق وإقرار الأمنِ واستتبابه، والعودة بالشعب الفلسطيني إلى لحمته ووحدته، والسعي إلى صنع السلام، وتحقيق التقدم والازدهار. نسأله تعالى أن يمنحكم الهداية والحكمةَ والشجاعة لتحقيق ذلك. كما ونصلي من أجل كل حكام الشرق الأوسط، وعلى رأسهم جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الوصيّ على المقدسات والأوقاف في فلسطين.

أيها الإخوة المؤمنون والمشاهدون، لعلَّ الكثيرينَ منكم محبطون لأنهم يعتقدون أن تحية الميلاد، لم تعد سوى أمنية بدون مضمون، ومجرد عبارة فارغة يتداولها الناس. فإذا ما أجرينا مقارنة بين ليلة الميلاد المنيرة وليالي عالمنا المظلم وشرقنا الأوسطي المعتم، لوجدنا بالفعلِ هوة عميقة تفصل بينها.

فليلة ميلاد الطفل الوديع يقابلها ليالٍ قاتِمة من النزاعات والحروب والدمار، ليالي الخوف وعدم الأمان، ليالي الحقد والعنصرية البغيضة. ومن هذا المكان المقدس نستذكر جميع مآسي البشرية قي القارات الخمس من الحروب الأهلية في إفريقيا إلى الهزة الأرضية في الفليبين مروراً بالأوضاع الصعبة في مصر والعراق والمأساوية في سوريا، دون أن ننسى أهلنا في فلسطين: الأسرى والسجناء وذويهم الذين يعيشون بقوة الأمل، والفقراء الذي خسروا أرضهم أو اقتلعت أشجارهم أو هدمت بيوتهم، والعائلات التي تنتظر قرار لم شملها، والعاطلين عن العمل وجميع من يعانون من الظروف القاسية.

يا طفل بيت لحم، لقد تعبنا من أنفسنا ومنْ أوضاعنا.

وأمام هذا الواقع الصعب الأليم، نصرخ ونستغيث إلى رب السماء بكلمات نشيد المجيء: من عمق أعماق الضلال، ندعوك يا رب الجلال، تعال وارحمنا تعال. أنت ببلوانا عليم، أشفق علينا يا رحيم، تعال أصلح شرّ حال.

كلا لن نستسلم لليأس لأن يسوع المسيح المخلص يسمع سؤلنا ويبشرنا بأن السلام ممكن إذ لا شيء مستحيل لدى الله، وبأن شعلة الرجاء لا تزال حية، وأنه لا بد من إحقاق العدل وإنجاز السلام والمصالحة. لن نستسلم إذن لليأس.

من بيت لحم انطلقت رسالة الخلاص والسلام، وإلى رسالة بيت لحم يجب أن نعود. إذ في هذه الليلة، يتجدد الوعد الإلهي. في مثل هذه الليلة صدحت جوقات الملائكة المجيدة: “الـمجد لله في العلى! وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة”، ونحن بدورنا مدعوون إلى التفاؤل والانضمام إلى جوقات الملائكة هذه، فنجعل من أرضنا أرض الرسالات السماوية، أرض سلام، وأرض حج وبركة لكل الناس.

المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام لأهل السلام ولمن يستحقُّونَه. سلام المسيح سلام شامل وعادل. هو سلام يجعلنا نرى في كل شخص خليقة الله. سلام يعطي الحياة للناس، ولا يسلبها منهم باسم إله يقتل ويذبح ويهلك، سلام لا يتغذى بالعنف. لذا، من هذا المكان أضم صوتي إلى صوت البابا فرنسيس ونوجه نداءً ملحاً إلى من يزرعون العنف والدمار بقوة السلاح: “أعيدوا النظر في من تعتبرونه اليوم عدوا يجب التخلص منه وكفوا أيديكم عنه لأنه أخ لكم في الإنسانية! انبذوا السلاح واذهبوا للقاء الآخر بالحوار والتسامح والمصالحة وأعيدوا بناء العدالة والثقة والأمل من حولكم!” (رسالة السلام لعام 2014).

نعيش في الأرض المقدّسة وضعاً صعباً لا يبدو له حلّ في القريب العاجل، وضعاً مزعجاً نلمس آثاره السيئة على جميع السكّان. هذا الواقع المؤلم يثير في نفوسنا تساؤلات عديدة، ويبثّ في قلوبنا مخاوف كثيرة حول مستقبل وجودنا، وحول مصيرنا في هذه الأرض. ونحن بحاجة إلى جواب الإيمان على هذه التساؤلات والمخاوف. فالجواب ليس في الهجرة والرحيل ولا في القوقعة والانغلاق. الحلّ هو أن نبقى هنا، وأن نعيش هنا، وأن نموت هنا. أرضنا مقدسة، وتستأهل لا بل تستوجب البقاء فيها، لأن بقاءنا دعوة إلهية وبركة وامتياز لنا جميعاً. وهنا ستظلّ شعلة الإيمان منيرةً كنجمة المشرق، تضيء الطريق لنا وللآخرين.

قوتنا تنبع من ايماننا المطلق بعناية الله “الذي يعزّينا في جميع شدائدنا لنستطيع، بما نتلقّى نحن من عزاء من الله، أن نعزِّي الذين هم في أيّة شدَّة كانت”. (2 كور 1:4-5).

ونور الإيمان قادر أن يضيء كلّ مناحي حياتنا، حاضرنا ومستقبلنا، وأن يوجّه مسيرتنا. نرى في ضوئه أكثر وأبعد وأعمق وأعلى مما تقدر عليه العين البشريّة. الإيمان حكمة تجعلنا نأخذ القرارات الصحيحة في الوقت الصحيح. أمّا إذا غاب هذا النور، “أصبح كلّ شيء مشوّشاً وأصبح صعباً جداً التمييز بين الخير والشر، بين الطريق الذي يقودنا نحو الهدف والطريق الذي يجعلنا ندور في حلقات مُفرغة، بلا اتّجاه” (نور الإيمان، 3)، وأصبح من العسير علينا أن نفهم ونتفهم كلّ ما نحن عليه من ظروف صعبة أو ماذا يريد الله منّا. الإيمان هبة من الله، وهبة الله قوَّتها في ذاتها، وتصبح قوّة فينا، بها نقدر أن نتمِّم إرادته القدّوسة بالرغم من ضعفنا البشريّ.

الله أمين حتى النهاية و لا يُخلِف وعوده. والذي يعزّز إيماننا به هو أنّ الله قادر على كلّ شيء، ويَعلَم كلَّ شيء ويحبُّنا. ومن ثم لا شيء يخيفنا: لا الحاضر ولا المستقبل، ولا الاضطرابات التي تعصف ببلداننا: لأنّنا ننظر ونرى ونؤمن ونعلم أننا آمنون بالأمان الذي يريده الله لنا.

أيها الطفل الإلهي، يا من اختبرت الهرب من وجه الطاغية هيرودس وجنده الذين سفّحوا بأطفال بيت لحم قبل ألفيّ عام ونيّف… تحنّن على أطفالنا وعلى كل أطفال العالم. تحنن على الأسرى وذويهم والفقراء والمهمشين والمستضعفين. نصلي في هذه الليلة من أجلهم ومن أجل الأسقفين والرهبان والراهبات المخطوفين في سوريا. أعد لهم يا رب حريتهم وكرامتهم. وأنظر كذلك إلى اللاجئين والنازحين… اعطف إليهم، وارسم على وجوههم ابتسامة الرجاء بغدٍ أفضل، بغدٍ يعودون فيه إلى أوطانهم وبيوتهم وممتلكاتهم، بكرامة تليق بهم كبشر، مخلوقين على صورتك أيها الرحمن الرحيم.

أيها الطفل الإلهي، يا ربّ الصلاح والرحمة، أنظر إلى الارض المقدسة والى شعوبها في فسطين واسرائيل والأردن، وإلى كل شعوب الشرق الأوسط، أُمنن علينا وعليهم بالمصالحة، فيصالح كل إنسان أخاه في الإنسانية، فنكون بأجمعنا إخوة لا بل أبناء لآب سماوي واحد، ربّ جميع البشر وفوقهم جميعاً.

أيها المسيح، نسألك أن تمنّ علينا بسلامك ورحمتك، بشفاعة أمّك البتول مريم العذراء، بنت بلادنا وبنت شعبنا.

كل عام وأنتم جميعاً بألف خير، وحلّت بركة الميلاد وطفل بيت لحم عليكم جميعاً. آمين

Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
لا يمكنك نسخ المحتوى