التراث العربي المسيحي القديم

الفصل السابع عشر

دراسات حول بعض اللاهوتيين العرب

حُنين بن اسحق

(عن مقال للاب سمير خليل نُشر في مجلة المشرق،الجزأن الاول والثاني 1991، ص. 403-425)
(الحقلة الرابعة عشر من سلسلة محاضرات التراث العربي المسيحي، الاب سمير خليل، القيت في المعهد الاكليريكي)
(عن دراسات الطالب: بحث للطالب بسام الدير)
(عن مقال نسيم مجلي من الصفحة الالكترونية nizwa.com)
(عن نشرة رعيتي، نشرة الكنيسة الارثوذكسية في حلب رقم 2 سنة 2001)
(من كتاب “المسيحية والحضارة العلابية” الاب الدكتور جورج شحاتة قنواتي، ص. 204- 209)

يقول المستشرق الشهير الدكتور لوكلير Leclere قي كتابه عن الطب العربي:
“يُعد حنين اقوى شخصية انجبها القرن التاسع بل من اشد رجال التاريخ ذكاء وأحسنهم خُلقا. فنطاق ابحاثه لشاسع الاطراف واختلاف انواعها وامتيازها واهميتها، والمحن التي تحملها بشجاعة ونبل في بدء حياته العلمية وفي اثنائها مما يبعث الاهتمام ويجذب القلوب اليه. وهو وان لم يكن باعث النهضة في الشرق، الا ان احدا لم يشارك في تلك النهضة مشاركة فعالة وراسخة ومثمرة كما فعل حنين” (جـ 1، ص 139).

حياته

وُلد ابو زيد حُنين بن اسحق العبادي في الحيرة عامة 194هـ/809 م، من اب عربي ينتسب الى قبيلة عباد، التي تنصرت في القرون الاولى للمسيحية، واستوطن قسم منها الحيرة. وكانت الحيرة عاصمة اللخميين في جنوب العراق تتألف بثلثها من قبيلة بني العباد المسيحية، وتنتمي الى كنيسة الشرق المسماة بالنسطورية. كان ابوه صيدلانيا يصنع العقاقير من الحشائش ويبعها. فنشأ حُنين مولعا بصناعة الطب.

نشأ حُنين في الحيرة (وليس في بغداد او الشام، كما جاء عند البهقي)، وتأثر حنين بصناعة ابيه فمال الى دراسة الطب، وتعلم مبادىء العلوم في الحيرة كما ودرس فيها السريانية، ولبس الزنار (أي انه كان شماسا في الكنيسة). ثم ذهب الى جندبسابور، وتعلم الفارسية. ثم انتقل الى بغداد، حيث سمع محاضرات يوحنا بن ماسويه، ونال رضاه. وكان حنين ظمأنا الى المعرفة، مولعا بالطب فاغضب استاذه بكثرة اسئلته ولجاجته في المعارضة، حتى انه في يوم من الايام، احرجه بسؤال حول كتاب “فرق الطب”، فنهره يوحنا بغطرسة: “ما لاهل الحيرة ولتعلم صناعة الطب؟ عليك ببيع القلوس على الطريق!”. فترك حُنين المجلس باكيا. 

ولكن اين ذهب طيلة هذه الفترة التي تغيب فيها عن بغداد؟ يقول نفر من العلماء بانه ذهب الى بلاد الروم، حيث عاش نحو سنتين، تمكن فيها من اللغة اليونانية واتقنها، واصبح حنين متمكنا من اربع لغات: السريانية والعربية والفارسية واليونانية. وكان ينشد شعرا من الياذة هوميروس باليونانية، ويجيد الترجمة الى العربية والسريانية.

ثم عاد الى بغداد حوالي سنة 211هـ/826م، وقد اكتسب ثقافة رفيعة يستطيع ان يناقش بها اعظم المتعلمين في العاصمة العباسية، فهو يمتلك زمام اربع لغات، وهو ضليع بصناعة الطب مع الالمام بالعلوم الاخرى الشائعة يومذاك. وهو متمكن من اسلوب نقدي صحيح في الترجمة وخبير يخفايا الثقافة اليونانية، وكانت هي المشعل المنير لدروب المعرفة بشتى فروعها.

فلا عجب ان أخذ نجم حنين يتلألأ في الاوساط الثقافية ببغداد رغم صغر سنه اذ يروي القفطي على لسان يوسف بن ابراهيم انه كان يوما عند اسحق بن الحسيني فرأى شخصا قد جلله الشعر حتى ستر بعض وجهه، يتمشى وهو ينشد شعرا من اشعار هوميروس. فسأل عنه وعرف انه حنين، غير ان حنين طلب منه ان يستر امره. ثم مرت ثلاث سنوات على هذه الحادثة المذكورة؛ فكان يوسف عند جبرائبل بن بختيشوع الطبيب المتوفى (214هـ/829م)، فوجد ان حنين قد ترجم اقساما من كتاب التشريح لجالينوس وجبرائيل يمتدحه على ذلك ويبجله. فطلب حنين من يوسف ان يضع بين يدي يوحنا بن ماسويه، معلمه السابق ترجمة له هي الفصول المسماة بالجوامع (الفاعلات)، دون ان يخبره لمن الترجمة. ووفى يوسف بالوعد، فلما تصفح يوحنا الكتاب تعجب كثيرا من دقة الترجمة وفصاحتها، وسأل هل اوحى المسيح لاحد من ابناء دهرنا، فأجابه يوسف بانها لحنين بن اسحق. فسأله ان يصلح بينهما، فتم الصلح بين حُنين واستاذه يوحنا بن ماسويه، وشجعه معلمه القديم على الترجمة.

وكان جبرائيل بن يختيشوع ويوحنا بن ماسويه يمتدحاه. فنال حظوة لدى الخليفة المأمون، الذي وكّله بترجمة كتب الطب من اليونانية الى العربية. فاخذ بترجمة مؤلفات جالينوس، وكان المأمون بعطيه وزنها ذهبا. واصبح اشهر مترجم عند العرب، بل انه ادخل اسلوبا جديدا في الترجمة، فبعد ان كان المترجمون يترجمون كلمة كلمة، فيجدون لكل كلمة يونانية او سريانية مرادفا عربيا، اخذ حُنين باسلوب جديد، فترجم معنى الجملة الأجمالي الى اللغة العربية ترجمة فصيحة.

وبعد وفاة المأمون، نال حظوة لدى المعتصم بالله (218هـ/833-841م) والواثق بالله (227-242هـ/831-856م). وترجم حنين اكثر من اثنى عشر كتابا لابقراط (460-357 ق.م.)، واكثر من مائة لجالينوس (نحو 131-201م)، وغيرها من الكتب. وبلغ ذروة المجد وبرع في الطب ايام المتوكل على الله (232-247هـ/846-861م)، فعينه رئيسا للاطباء.

هذا وقد كان حنين متمسكاً بدينه وايمانه، كما كان متمسكاً بثقافته وعلمه. وقد ذكر ابن ابي أصيبعة، مؤرخ الطب العربي حادثاً قال:
“أن حنين لما قوي أمره وانتشر ذكره بين الأطباء واتصل خبره بالخليفة، أمر بأحضاره. فلما حضر، أقطع اقطاعات حسنة وقرر له جارٍ جيد. وكان الخليفة يسمع بعلمه ولا يأخذ بقوله دواءً يصفه حتى يشاور فيه غيره. أي أن الخليفة لم يكن يثق كل الثقة بحنين، وأحب أمتحانه حتى يزول ما في نفسه عليه. فأستدعاه يوماً وأمر بأن يخلع عليه، أي بأن يهب مواهب مادية كبيرة، وأحضر توقيعاً فيه اقطاع يشتمل على خمسين الف درهم، فشكر حنين هذا الفعل، ثم قال الخليفة بعد أشياء جرت: ” أريد أن تصف لي دواءً يقتل عدواً نريد قتله ولا يمكن اشهاره ونريده سراً”. فقال حنين: “يا أمير المؤمنين، اني لم أتعلم الا الأدوية النافعة، وما علمت أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها، فأن أحب أن أمضي أتعلم فعلت ذلك. فقال الخليفة: هذا شيء يطول! ورغّبه وهدده وهو لا يزيد على ما قاله الى أن أمر الخليفة بحبسه في بعض القلاع ووكل به من يوصل خبره اليه وقتاً بوقتٍ ويوماً بيومٍ. فمكث سنةً في حبسه، دأبه النقل والتفسير والتصنيف وهو غير مكترث بما هو فيه.

“فلما كان بعد سنة، أمر الخليفة بإحضاره واحضار اموالاً يرغبه بها، وأحضر سيفاً وسائر آلات العقوبات، فلما حضر حنين قال الخليفة: هذا شيء قد كان ولا بد مما قلته لك، فأن انت فعلت فقد فزت بهذا المال وكان لك عندي أضعافه. وان امتنعت قابلتك بشر مقابلة وقتلتك شر قتلة. فقال حنين: قد قلت لأمير المؤمنين، اني لم أحسن الا الشيء النافع ولم أتعلم غيره. فقال الخليفة: فأني أقتلك. فقال حنين: لي رب يأخذ بحقي غداً في الموقف الأعظم، فأن اختار امير المؤمنين أن يظلم نفسه فليفعل. فتبسم الخليفة وقال له: يا حنين طب نفساً وثق الينا. فهذا الفعل كان منا لإمتحانك لأنا حذرنا من كيد الملوك ومن اعجابنا لننتفع بعلمك. فقبل حنين الأرض وشكر له. فقال له الخليفة: يا حنين ما الذي منعك من الأجابة مع ما رأيته من صدق عزيمتنا في الحالين. فقال حنين : شيئان يا امير المؤمنين. قال: وما هما؟ قال: الدين والصناعة. قال: فكيف؟ قال: الدين يأمرنا بفعل الخير والجميل مع أعدائنا. فكيف مع أصحابنا وأصدقائنا ويبعد ويحرم من لم يكن كذا. والصناعة تمنعنا من الأضرار بأبناء الجنس لأنها موضوعة لنفعهم ومقصورة على مصالحهم، ومع هذا فقد جعل الله في رقاب الأطباء عهداً مؤكداً بأيّمَانٍ مغلظة ان لا يعطوا دواءً قتالاً ولا ما يؤذي. فلم ارى ان اخالف هذين الأمرين من الشريعتين ووطنت نفسي على القتل، فأن الله ما كان يضيع من بذل نفسه في طاعته وكان يثبه. فقال الخليفة: انهما لشريعتان جليلتان، وأمر بالخُلَعِ فخُلِعَت عليه وحُمِلَ المال بين يديه، وخرج من عنده وهو أحسن الناس حالاً وجاهاً “.

هذه القصة التي رواها المؤرخ المسلم بن ابي أصيبعة، توضح موقف حنين، فهو طبيب امين للعهد الذي تعهده، “عهد بقراط” كما يسمى. ومسيحي امين على حفظ الأنجيل ولو أضطر الى الموت.

وفي عام 240هـ/854م أُصيب حُنين بالنكبة الكبرى، اذ دخل السجن وصودرت املاكه وكتبه. وسبب ذلك رفضه اكرام صورة العذراء حاملة ابنها يسوع. والسبب الحقيقي حقد الاطباء (ولا سيما بختيشوع بن جبرائيل واسرائيل بن زكريا الطيفوري) عليه وحسدهم. الا ان الخليفة اطلق سراحه بعد اربعة شهور، واعاده الى منصبه كطبيب خاص له، ونفي بختيشوع الى البحرين. “وعاش حنين بعد نكبته مبجلا معززا من قِبَل الخلفاء المنتصر بالله والمستعين بالله والمعتز بالله والمهتدي بالله والمعتمد على الله” (يوسف حبي ص. 40).

توفي حنين يوم الثلاثاء 1/12/873م. لا نجد ذكرا لزوجة حنين، في حين يؤكد القفطي وابن ابي اصيبعة، انه كان لحنين ولدان: دأود واسحق. واشتهر هذا الاخير وتمييز في الطب والترجمة حيث اهتم بنقل كتب الفلسفة والحكم.

المُترجم والفقيه اللغوي

إن من أعظم سمات الحياة الفكرية للعصر العباسي هي الاحتفاء بالفلسفة والعلم الاغريقيين. وفيما كان التأثير الفارسي والهندي في القرن الثامن الميلادي هو الراجح في تلك الحياة، نجد أن بيت الحكمة الذي أسسه المأمون قد لعب دورا في هيمنة فكر أرسطو وابقراط وجالينوس وبطليموس على النفوس المستنيرة في بغداد وأرجاء العالم الاسلامي. ففى القرن التاسع الميلادي برزت ثلاث شخصيات عظيمة هي ثابت بن قرة أحد صائبة حران والكندي الفيلسوف المسلم العربي العريق وحنين بن اسحق المسيحي النسطوري.

ومن رأي الاستاذ كوركيس أنه “لم يقم بين المترجمين في العصر العباسي, من فاق حنين بن اسحق في وفرة التصنيف، من تأليف ونقل ومراجعة وتصحيح، ولا من جاراه في حسن الأسلوب ودقة الترجمة.” (مكتبة حنين بن اسحق).

برز حنين بن اسحق كأقوى شخصية في هذا العصر، إذ تفوق في ميداني الترجمة والتأليف وحقق أمجادا عظيمة في علوم الطب والفلسفة واللغة. “ويؤخذ من قائمة وضعها حنين وأتمها أحد تلاميذه أنه ترجم إلى السريانية من كتاب جالينوس خمسة وتسعين كتابا وترجم إلى العربية منها تسعة وثلاثين. هذا إلى جانب انه راجع ترجمة تلاميذه فأصلح ستة كتب مما نقل إلى السريانية ونحوا من سبعين كتابا إلى العربية كما راجع وأصلح معظم الخمسين كتابا التي كان قد ترجمها إلى السريانية سرجيس الرأسعيني وأيوب الرهاوي وغيرهما من الأطباء المتقدمين”. 

و في رأي الأب جورج قنواتي أن، “حنين بن اسحق كان حريصا على تأدية المعنى بدقة, فاهما تماما لمقتضيات النشر العلمي ووجوب الرجوع إلى أحسن المخطوطات. وبجانب ترجمته لكتب جالينوس, نقل حنين عددا من كتب ابقراط”. 

لم ينحصر جهد حنين في ميدان الترجمة بل تعداه إلى ميادين أخرى. فكان طبيبا ماهرا متقدما عند الخلفاء تميز في معالجة أمراض العين, وألف في هذا التخصص أهم كتبه الطبية. وقد شملت مؤلفاته الطب والفلسفة واللغة. وقد أورد ابن أبي اصيبعة أنه اكمل قائمة لمؤلفاته وهي تضم مائة وأحد عشر كتابا. لكن عنايته الفائقة بطب جالينوس وبكتبه كان مثار اهتمام كبير، إذ أصبح جالينوس، بفضل هذه العناية أشهر الأطباء الإغريق في تراث العربية. لقد انغمس بشدة في دراسة طب جالينوس وفي ترجمته حتى ألف أسلوبه وأصبح إذا قرأ نصا استطاع أن يحكم هل هو من وضع جالينوس أو مدسوس عليه. (ابراهيم مدكور) 

و في هذا يقول بن جلجل “وحنين بن اسحق هو الذي أوضح معاني كتب ابقراط وجالينوس, ولخصها أحسن تلخيص, وكشف ما استطاع منها، وأوضح مشاكلها (طبقات الأطباء والحكماء ص 69). أما ابن أبي اصيبعة فيعبر عن رأيه في ترجمات حنين لمصنفات جالينوس بعد أن قارن بينها وبين ترجمات الآخرين لنفس المصنفات “فلما طالعتها وتأملت ألفاظها تبين لي بين نقلها ونقل الست عشرة التي هي نقل حنين تباين كثير وتفاوت بين….. فأين الألكن من البليغ وأين الثرى من الثريا” (عيون الأنباء ج- 2، ص 149). 

التزم حنين الأمانة في نقله لكتب الثقافة اليونانية كما كان أمينا في ممارسته للطب والتمسك بأخلاقيات الطبيب. فحرص على الدقة في ترجمة النص اليوناني, وحرص على وضوح المعنى بدرجة لم يصل إليها أحد من أقرانه فكان يحقق ويدقق في قراءة النص وفي قراءة الترجمة ثم يصحح ويراجع ولا يأنف أن يعيد ترجماته القديمة إذ وجد فيها نقصا. ورغم انتسابه للثقافة السريانية فقد عشق العربية وأتقنها وكتب بها شعرا.

وقد تناول بروفسور شتروهماير ترجمات حنين بالفحص والدراسة، ورأى أن المؤرخين حينما اهتموا بحنين باعتباره طبيبا ومترجما، لم يهتموا به كلغوي بارع في فقه اللغة حتى عام 1925 عندما نشر كوتهليف بيركسترابر “رسالة حنين بن اسحق إلى علي بن يحيى في ذكر ما ترجم من كتب جالينوس بعلمه وما لم يترجم”. ومنها تتضح لنا القواعد التي كان يسير بمقتضاها، فهو لم يكن يسلم ترجمة سريانية أو عربية لنص ما لم يتمكن من جمع عدة نسخ لذلك النص، فيقرأها ليس قراءة عامة إنما يقرأها كلمة كلمة ويطابقها وهذا العمل كان يضطره للقيام برحلات عديدة بحثا عن تلك المخطوطات لمقارنتها، فوصل لحلب وفلسطين ثم الإسكندرية. والغرض من ذلك ليس قراءتها وإنما لغرض اقتنائها ومطابقتها مع نصوص المخطوطات الأخرى لديه.

وفي شبابه لم يكن قادرا على ذلك، لأنه كان يترجم النسخة المخطوطة الوحيدة التي لديه لذا اضطر في أواخر حياته إلى مراجعة تراجمه على ما وقع عليه من مخطوطات أخرى. ثم يورد شتروهماير ملاحظاته حول ترجمته لكتاب جالينوس (حول الفرق الطبية) الذي قرأه أمام (يوحنا بن ماسويه) في الوقت الذي بعد فيه عن مدرسته: “إني ترجمت وانا حدث من أبناء عشرين سنة أو أكثر قليلا لمتطبب من أهل جنديسابور يقال له (شير يشوع بن قطرب) من نسخة يونانية كثيرة الاسقاط، ثم سألني بعد ذلك وأنا من أبناء أربعين سنة أو نحوها، حبيش تلميذي، إصلاحه بعد أن كانت قد اجتمعت له عندي عدة نسخ يونانية، فقابلت تلك النسخ بعضها ببعض حتى صحت منها نسخة واحدة ثم قابلت بتلك النسخة السريانية وصححتها، وكذلك من عادتي أن أفعل في جميع ما أترجمه”. 

وحينما كان حنين يجد قراءات مختلفة في المخطوطات المتباينة، كان عليه أن يقرر أيها هي النسخة أقرب إلى الأصل. وهذا مثيل ما يقوم به المحقق في الوقت الحاضر، لنص قديم وذلك باخضاع النص المختلف القراءات إلى نظام نقدي أصبح الأن سهلا بعد اختراع الطباعة. وعلى كل حال فإن حنين كان يضطر إلى إضافة الشروح على تراجمه أو في حواشيها بغية إفهام القارئ اختلاف المخطوطات اليونانية والإفصاح عن الشكوك التي تساوره في أحد تلك الأجزاء من النص. ثم يمثل لذلك بكتاب جالينوس “العلاج بالتشريح” والذي ترجمه إلى السريانية أيوب الرهاوي وصحح حنين فيما بعد ترجمته العربية التي قام بها حبيش. 

وقد ترجم حنين إلى السريانية لبختيشوع وهو في السابعة عشر من عمره كتاب جالينوس “أصناف الحميات” ثم كتابه في “القوى الطبيعية”. لكن حنينا نفسه لم يرض عن ترجمة هذين الكتابين ولا عن ترجمة كتب أخرى أنجزها في صباه فصححها جميعا بل ترجم بعضها من جديد فيما بعد. لكن جبرائيل اغتبط بذكاء وكفاية فتاه اللغوي، وامتدحه عند الخليفة الذي عينه عميدا (لبيت الحكمة). واختزنت فيه جميع المخطوطات اليونانية التي جمعها المأمون من أماكن كثيرة في امبراطوريته الشاسعة، ومن آسيا الصغرى التي كانت لا تزال ترفرف عليها راية الدولة البيزنطية ومن الأستانة، واستخدم فيها رهطا من شباب المترجمين لنقل الكتب اليونانية إلى السريانية أولا ثم إلى العربية ثانيا. وفي اثناء ذلك توفي جبرائيل وأصبح ابنه بختيشوع (المتوفى عام 257هـ) صديق حنين ووليه الذي يحبوه برعايته. ولقي حنين فوق ذلك من يوحنا بن ماسويه أستاذه السابق وسلمويه بن بنان منافسه العلمى (المتوفى عام 225 هـ) خير عطف وعناية. وقد ذكر حنين نفسه كيف شارك الأخير في بعض غزوات المأمون ضد الدولة البيزنطية. ولما مات المأمون عقب ذلك بقليل عين ماسويه رئيسا لأطباء المعتصم بالله (218-227هـ) الذي خلف المأمون وأصاب عنده مكانة. ومما لا ريب فيه أن حنينا ظفر منه بصديق قوي استظل بحمايته، وترجم له خلاصة ثلاثة عشر كتابا من أهم كتب جالينوس، وأصاب مثل هذه الحظوة عند الواثق بالله (227 – 242هـ) الذي كان يعظم العلماء ويتعشق محادثتهم. وكان حنين خلال ذلك قد ترجم قدرا هائلا من كتب جالينوس وغيرها من الكتب الطبية والفلسفية عن اليونانية. وقام حنين برحلات طويلة جاب فيها أرجاء العراق وسوريا وفلسطين ومصر (الإسكندرية) سعيا وراء الحصول على المخطوطات العلمية اليونانية. الا أننا لا نعرف بالضبط في أي وقت قام بهذه الرحلات. 

مؤلفات حُنين

وردت مؤلفات حُنين، في اول تدوين للثقافة العربية، اعني “فهرست” النديم الموضوع سنة 377هـ/987م، وفي “عيون الانباء” لابن ابي اصيبعة (المتوفى سنة 1296) ورُقمت هذه المؤلفات، تسهيلا للاحالات، فكان مجموعها 30 مؤلفا عند النديم، و111 عند ابي اصيبعة.

نكتفي هنا بذكر مؤلفات حُنين الدينية:

1- رسالة في دلالة القدر على التوحيد (87). مفقودة.
2- مقالة في خلق الانسان، وانه من مصلحته والتفضيل عليه جُعل محتاجا (65).
3- كتاب في كيفية ادراك الديانة (34). مفقود.
4- كتاب في ادراك حقيقة الاديان (111). نشره الاب لويس شيخو ثلاث مرات، واعاد نشره الاب بولس سباط.
5- كتاب الى علي بن يحي (المنجم)، جواب كتابه فيما دعاه اليه من دين الاسلام (100). نُشر هذا النص سنة 1981، وترجمه الاب بولس نويا الى الفرنسية.
6- كتاب نوادر الفلاسفة والحكماء، وآداب المعلمين القدماء (87). نشره Merkle مع ترجمة المانية، ونشر Lowenthal الترجمة العبرية القديمة مع ترجمة المانية.
7- مقالة في الآجال (70).
8- كتاب تاريخ العالم (97).
9- كتاب في مخالفة الله، كتبه حينما كان شماسا. ذكره عبد يشوع الصوباوي.
10- ترجمة العهد القديم عن اليونانية. ذكرها المسعودي المتوفى سنة 856م، قال: “وقد ترجم هذه النسخة (السبعينية) الى العربي عدة ممن تقدم وتأخر، منهم حُنين بن اسحاق، وهي اصح نُسخ التوارة عند كثير من الناس” (المسعودي “التنبيه والاشراف”).

أهم الصفات البارزة في حياته ومؤلفاته

أ) الصفات الإيجابية:

من جهة، قد يعتبره البعض رجلاً مناضلاً في البحث عن الحقيقة والإستزادة من العلم والمعرفة. إذ أنه لم يكتف بما قد أخذ من الطب عن والده ولا بما حققّ من نجاح كبير في ذلك المجال الموروث بل تطلع إلى الأفضل دائماً أبدا. إنه وإن قد زُجّ في السجن، وإن قد تعرض لهموم عدّة، فإنه لم يأنف عن الإستمرار في السير قدماً نحو الأمام.

لا بُدّ أنه كان رجلاً واسع المعرفة ومتمكن من عدّة لغات، فأسهم في تأليف وترجمة العديد من الكتب القيّمة إلى اللغة العربية. عدا عن تأليفه لعدّة مقالات عربية مسيحية دفاعية وغير دفاعية. إنه وبالرغم من جميع المغريات والضغوطات وإختلاطه مع الخلفاء، لم يغير دينه أو يتنازل عن إيمانه المسيحي.

لا نتناسى بأنه كان طبيباً لامعاً، والطبيب يهتم عادة في إعطاء التفاصيل ونهج خطوات البحث العلمي في كتاباته. وفي ذات الوقت، وبسبب ترجماته لكتب فلسفية يونانية، أعتقد بأنه اكتسب منطقاً جيداً في سرد ما يوّد التعبير عنه.

ب) الصفات السلبية:

لم يكن إيمانه المسيحي قويماً مئة بالمئة. فقد تأثر من النسطورية، وبالتالي أبى أن يؤدي الإكرام لسيدتنا مريم العذراء “والدة الإله”، كما أنكر إتحاد طبيعتي المسيح في أقنوم واحد.

إنصرف إلى الإهتمام بالأمور الطبيّة وترجمتها من لغات أعجمية، أكثر من إهتمامه بالأمور الدينية. وهذا يظهر بوضوح لدى مقارنتنا نسبة إنتاجه للكتب الطبيّة إلى مقالاته الدينية. وقد يعود السبب في ذلك إلى المغريات المادية التي كانت تُمنح له في ترجماته غير الدينية وإلى طمعه في الشهرة كطبيب علاّمة.

دور حنين في الثقافة والتراث العربي المسيحي

لدى مطالعة حياة حنين ومؤلفاته، يتبين أن المسيحييون في بداية العهد الإسلامي كانوا يتمتعون نسبياً بحياة هادئة وآمنة. لا بل تمتع البعض منهم “كحنين” في ظلّ الخلفاء الأمويين والعباسيين بمراكز عالية ووظائف هامة.

لم يكتف حنين بأن يعيش كعنصر خامل في ظلّ دولة إسلامية بل ساهم بحق في إغناء مكتبة الثقافة العربية وتطويرها وفقاً لمقتضيات التطور ومتطلبات عصره. كما ساعد في إحياء التراث العربي المسيحي بشكل أو بآخر. وفيما يلي نورد ذكراً لما إستطاع حنين تحقيقه في المجالين العلمي والديني:

أ) المجال العلمي: كان لحنين الفضل العظيم في نقل الحضارة اليونانية إلى العرب ولا سيّما علوم الطب والفلك والمنطق والفلسفة. فترجم الكتب وصاغها في قوالب استطاع العرب أن يؤلفوها ويزيدونها عمقاً وتحليلا. ويعتبر حنين بن اسحق بجانب قسطا بن لوقا البعلبكي من أشهر المترجمين. ولم يكتف هذا الطبيب بالنقل والترجمة بل كان يؤلّف ويدرّس. 

ب) المجال الديني: لم يتوقف تأثير حنين عند النواحي العلمية بل تعداه إلى الناحية الدينية أيضا. وبما أنه كانت هنالك علاقات ومناظرات كثيرة بين رجال الدين الإسلامي وأئمة النصارى، كتب حنين مؤلفات دينية دفاعية وغير دفاعية هدفها إثبات وتقوية جذور الإيمان المسيحي في نفوس من حوله.

وهكذا يتضح أن علاقة حنين مع أندائه من المسلمين كانت علاقة حوار وتفاهم بالمنطق والعقل، ويتضح أيضا أنه لم يكن منعزلا عن محيطه بل اشترك مع إخوته المسلمين في الحياة العامة، فقامت الحضارة العربية الإسلامية في الدرجة الأولى على أكتاف النصارى “بما فيهم حنين” كما قامت على أكتاف المسلمين . ولعلنا من ذلك نتعظ، فاللغة العربية هي التي توحدنا مع إخوتنا المسلمين وتراثنا العربي المسيحي الذي كُتب هو العنصر الذي من خلاله نستطيع بناء الجسور والتعايش كعرب في ظلّ منطقة جغرافية واحدة.

لا يمكنك نسخ المحتوى