القديس فرنسيس السالسي

القديس فرنسيس السالسي

أسقف ومعلم الكنيسة

ولد في مقاطعة “سافويا” (في فرنسا) عام 1567 . سيم كاهنا وبذل جهودا كبيرة في سبيل الإصلاح الكاثوليكي في وطنه. اختير أسقفا لمدينة جنيفا، فكان راعيا نشيطا للإكليروس والمؤمنين. علم بأعماله وبكتاباته الكثيرة. توفي في مدينة ليون في فرنسا في 28 كانون الأول 1623 ، وهو يرقد حتى اليوم في مدينة أنِّسِيAnnecy)). وهو يعتبر الشفيع الرسمي للعاملين في الصحافة والإعلام.


من كتاب (المدخل إلى حياة العبادة) للقديس فرنسيس السالسي الأسقف

( الجزء الأول الفصل 3)

للعبادة طرق شتى

أمرَ الله النباتَ من بينِ خلائقِه أن يعطيَ ثمرًا، كلٌّ بحسبِ صنفِه. وكذلك أمرَ المسيحيّين، وهم غَرسُه في كنيستِه الحيّة، أمرَهم أن يُعطُوا ثمرًا، كلُّ واحدٍ بحسبِ مقدرتِه ووضعِه ودعوتِه.

تُمارَسُ العبادةُ بطرقٍ متنوِّعة: يمارسُها النبيلُ وخادمُ البيتِ والأمير، والأرملةُ والفتاةُ العزباءُ والمتزوجةُ، يمارسُها كلُّ واحدٍ بحسب حالتِه وظَرفِه. وليس هذا وحسب، بل ويجبُ أن تتلاءمَ أعمالُ العبادة مع مقدرةِ الإنسانِ، وعملهِ، ووظيفتِه.

قولي لي، أستحلفُك، يا عزيزتي، أمِن المناسبِ أن يلتزمَ الأساقفةُ العزلةَ مثلَ الرهبانِ الكرتوزيِّين، وألاًّ يهتمَّ المتزوِّجون بمالِهم أكثرَ من الرهبانِ الكبوشيين؟ وهل يمكنُ للصانعِ أن يَقضِيَ النهارَ كلَّه في الكنيسةِ مثلَ الرهبان؟ وهل من المناسبِ أن يكونَ الرهبانُ حاضرِين في كلِّ حادثةٍ وحديثِ، ويهتمُّوا بحاجاتِ الناسِ على مثالِ الأسقف؟  ألا تكونُ هذه العبادةُ مَهزَلةً غيرَ مرتَّبةٍ ولا مقبولة؟

ومع ذلك، فإنَ هذا الخطأَ وهذه الحماقةَ تحصلُ مرارًا. إنَّ العبادةَ الحقيقيَّةَ والصادقةَ لا تهدِمُ شيئًا بل تكمِّلُ كلَّ شيءٍ وتبلُغُ به إلى تمامِه. وإذا ما تعارضَتْ مع دعوةِ أحدٍ أو لم تلائِمْ حالتَه، فهي بلا شكٍّ عبادةٌ خاطئة.

النحلةُ تجمَعُ العسلَ من الزهورِ، من غيرِ أن تؤذِيَها أو تُتلِفَها، بل تتركُها كاملةً نَضِرَةً كما وجدَتْها. والعبادةُ الحقيقيَّةُ تعملُ أفضلَ من هذا: فهي لا تدمِّرُ دعوةَ إنسانٍ ولا تُلحِقُ الضررَ بأيِّ عمل، بل تَدعَمُه وتَزِيدُه رونقًا وجمالاً.

إذا أُلقِيَتِ الحجارةُ الكريمةُ في العسل، فإنَّ كلَّ حجرٍ يتألَّقُ ويَسطَعُ بحسبِ لونِه وبريقِه الخاصّ، وكذلك يصبحُ كلُّ واحدٍ بحسبِ دعوتِه أو عملِه أكثرَ قبولاً وكمالاً إذا ما بلغَ العبادةَ الصحيحةَ. بها تزدادُ حياةُ العائلةِ صفاءً واطمئنانًا، والحبُّ المتبادَلُ بيَن الزوجَيْن صِدقًا، والولاءُ الواجبُ للأميرِ يزدادُ إخلاصًا، وتصبحُ الأشغال كلُّها للجميعِ أفضلَ وأيسَر.

ولهذا من الخطأ، بل هي هرطقة، إقصاءُ العبادةِ عن كتائبِ الجيوشِ ومعاملِ العمَّالِ وقصورِ الأمراءِ وبيوتِ المتزوِّجِين. نعم، أعترِف، أيَّتها العزيزة، أنَّ العبادةَ التي هي تأمُّلٌ وحياةُ نسكٍ ورهبنةٍ لا يمكن ممارستُها في هذه المعاملِ والمواقع. ولكنْ ما عدا هذه الأنواعَ الثلاثةَ للعبادةِ هناك أنواعٌ أخرى عديدةٌ يمكنُ أن يمارسَها من يمارسُ مِهَنًا في العالم. ففي أيِّ مكانٍ كنَّا،  يجبُ ونقدرُ أن نصبُوَ إلى الحياةِ الكاملة.

Share on facebook
Facebook
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on email
Email
لا يمكنك نسخ المحتوى