التراث العربي المسيحي القديم

الفصل الرابع عشر

دراسات حول بعض اللاهوتيين العرب

(2) الفيلسوف أبو رائطة التكريتي

(من محاضرات الاب سمير خليل في الاكليريكية الاورشليمية)
(من كتاب “ابو رائطة التكريتي ورسالته في الثالوث المقدس” دراسة ونص بقلم الاب سليم دكاش اليسوعي”)
(من نشرة الروم الارثوذكس في حلب)

حياته وشخصيته

“كان ابو رائطة التكريتي في طليعة من كتبوا باللغة العربية في مختلف موضوعات الايمان المسيحي، الا انه لم يحظَ بمؤرخ معاصر يستعرض اهم مراحل حياته ويصف لنا ابرز ملامح شخصيته. لا يُعرف عنه سوى القليل، شأنه شأن علماء الكلام المسيحيين في القرن التاسع الميلادي امثال ثاودورس ابو قرة وعمار البصري، حتى ان هويته يلفها الالتباس والغموض: فالمستشرق الالماني جورج غراف نشر مجموعة اعماله تحت اسم حبيب بن خدمة، ابو رائطة. ويتحدث ابو البركات بن كبر والمؤنمن بن العسال عن مؤلفنا فيحددان اسمه على الوجه التالي: “ابو رائطة حبيب حديثة التكريتي، اليعقوبي السرياني، اسقف تكريت من كرسي سروج”، مع العلم بان بعض المخطوطات اختلفت في قراءة نسبة أبي رائطة، بحيث ان بعضها جعلها ابن حديثة وبعضها الاخر ابن حُديبة او حُديثة. وتتعقد الامور عندما تقول بعض المصادر ان ابا رائطة كان اسقفا، في حين ينفي بعضها الاخر ان يكون هذا الكاتب قد ارتدى ثياب الحبرية”.

عاش أبو رائطة التكريتي في الربع الأخير من القرن الثامن والربع الأول من القرن التاسع، فهو إذاً معاصر للبطريرك النسطور طيموثاوس الاول. 

قيل أن أبا رائطة كان أسقفاً على مدينة تكريت للسريان، ويبدو أن الزعم خاطئ وأن كان قد وصل الينا عن طريق مؤرخين كبار في المسيحية أمثال ميخائيل الكبير السرياني، ومؤتمن الدولة إبن العسال القبطي وأبي البركات بن كبر القبطي. 

“ما يلفت النظر ايضا في شخصية ابي رائطة هو جمعها بين التواضع والمعرفة العلمية فهو يعترف امام مراسله في بداية الرسالة في الثالوث المقدس بعجزه عن القيام بمهمة معالجة موضوع شائك مثل موضوع التثليث والتوحيد، لأن في الأمر عسرا وصعوبة. و في مكان اخر، يتكلم ابو رائطة على نفسه فيصفها ب “الخساسة والضعف” امام المهمات الملقاة على عاتقه في محاورة اهل الكلام من امثال ثاودورس ابي قرة وغيره.

“لكن قراءة كتابات ابي قرة بتعمق ومقارنتها بمؤلفات معاصرة له تبينان ان الرجل كان ركنا من اركان الكلام في ايامه. فهو يعالج بحنكة المنطقي ومعرفة المتكلم قضايا لاهوتية معقدة، فيضع مقاييس البرهان على الدين الصحيح، ويبارز خصومه في الموضوعات الشائكة مستندا الى فهم الكتاب المقدس والقرآن بعمق واطلاع على حجج الخصام ومعتمدا على آباء الكنيسة”… 

كان أبو رائطة حبيب بن خدمة التكريتي فيلسوفاً أرسطوطالياً، كان علمانياً يعيش في مدينة تكريت في ما بين النهرين وقد التقى أبو رائطة بمجادل مسيحي شهير هو ثاودورس ابي قرة أسقف حران للملكيين، وجادله بل إنه تابع هذه المجادلة معه في الفرق بين السريان والملكية، في بلاد أرمينيا حيث دعاه الملك أشوط في مطلع القرن التاسع، اذ قد توفي أشوط سنة 826م . 

ولسبب نجهله سجن أبو رائطة بعد ذلك في العراق ثم نعلم أيضاً أنه إشترك بسينودس الكنيسة السريانية المغربية سينودس الذي إنعقد سنة 828 أيام البطريرك ديونيسيوس التلمحري. هذا تقريباً ما نعلمه عن حياة أبو رائطة التكريتي الفيلسوف المسيحي .

ماذا نعلم عن أبي رائطة من تأليفه ؟

كان ابو رائطة من ابرز اللاهوتيين المتبسطين في علمي الفلسفة والمنطق. اطلع على التراث الفكري اليوناني بفضل الترجمات الى السريانية فالعربية. يتبين من كتاباته انه بارز خصومه في الموضوعات الشائكة مستندا الى الكتاب المقدس والقرأن، معتمدا على آباء الكنيسة كغريغوريوس النيصي وغريغوريوس النزيانزي، وغريغوريوس العجائبي وافرام السرياني وديونيسيوس وغيرهم ممن ترد اسماؤهم في مؤلفاته. 

عاش ابو رائطة في مرحلة هامة تكونت فيها المصطلحات الفلسفية والتعابير اللاهوتية باللغة العربية، اذ انبرى العديد من المسيحيين العرب للدفاع عن ايمانهم وعقيدتهم باللغة العربية التي اضحت اداة الاتصال الثقافي.

ان المسيحيين العرب في العصر الذي عاش فيه ابو رائطة قد واجهوا المفكرين المسلمين الذين هاجموا الحقائق المسيحية الاساسية، ومنها التوحيد من ضمن التثليث، التجسد، الفداء، الصلب والقيامة… والمسلمون رأوا في عقيدة الثالوث محاولة لادخال الشرك في وحدانية الله، ما اقتضى من المسيحيين تفسيرات وتوضيحات ودفاعات عن حقيقة ايمانهم. تأتي مؤلفات ابي رائطة ضمن هذا الاطار الدفاعي.

ترك لنا أبو رائطة، حبيب التكريتي، إحدى عشر مقالة صغيرة، خمس منها رداً على الاسلام، ست منها رداً على المسيحيين الملكيين أي الروم فهو إذاً لاهوتي مجادل.

مؤلفات ابي رائطة

(من كتاب “ابو رائطة التكريتي ورسالته في الثالوث المقدس” دراسة ونص بقلم الاب سليم دكاش اليسوعي” ص.23-26).

“مؤلفات ابي رائطة الكاملة احدى عشر وثيقة مختلفة نشرها لاول مرة العام 1951 جورج غراف، الاختصاصي المعروف بالتراث المسيحي العربي، مع ترجمة لها باللغة الالمانية. اما المخطوطات المختلفة المعتمدة في نشرة غراف، فمن الممكن الاطلاع على مصادرها في مقدمة الترجمة الالمانية، وكذلك في تاريخ الاداب العربية المسيحية الذي نشره غراف عينه. 

1- من المخطوطات التي نشرها غراف والتي ينسبها المؤرخون الى ابي رائطة، هناك رسالتان تؤلفان وحدة ادبية متكاملة: الرسالة الاولى، وتعالج موضوع “التوحيد والتثليث” من زاوية عقلانية منطقية في مرحلة اولى اساسية، ثم من زاوية كتابية، في اطار محاورة متكلم من اهل التيمن. وهي جواب عن طلب تقدم به احدهم من ابي رائطة لكي يوضح ما اشكل عليه “من اقاويل الامم واذعانهم على سائر الاديان”، ولكي يشرح له “مع ذلك اقرار اهل الحق ومحبتهم وما اتوا به من الحكمة والبرهان”، وان يتم ذلك تحت هيئة السؤال والجواب. وان ابا رائطة يبدأ في هذه الرسالة بشرح العقيدة المسيحية في الثالوث المقدس، ثم يعالج موضوع التجسد في رسالة ثانية، ليست في الحقيقة الا القسم الثاني من الموضوع الذي طلب الى ابي رائطة ان يعرضه. و جدير بالذكر ان الرسالة الثانية تبدأ بتلخيص الرسالة الاولى… و هكذا يبدو ان هدف الرسالتين هو واحد، والمحاور هو نفسه، كذلك سائل ابي رائطة معالجة الموضوع الذي قسّمه المؤلف الى قسمين، رأى فيهما المهتمون بالتراث المسيحي العربي رسالتين: الاولى في الثالوث المقدس والثانية في امر التجسد.

“يمكن الاضافة الى هذه الرسالة رسالة اخرى في “اثبات دين النصرانية واثبات الثالوث المقدس وامر التجسد“، وهي الجزء الثامن في نشرة جورج غراف وقد استهلها ابو رائطة بتلخيص موضوعها على الشكل التالي: “سالت، الحقك الله بالفائدة، ان اشرح لك الحالة التي دعت العاقل والجاهل الى قبول دين النصرانية بدءا وامتناعهما اخيرا”. اما قراءة الرسالة فتبين انها تنقسم الى ثمانية اقسام هي: مقاييس قبول الدين ورفضه، الثالوث المقدس، التجسد والتأنس، تعظيم الصليب، استقبال المشرق في الصلاة، القربان المقدس، ترك الختانة والذبائح، العهد الجديد. ويتبع ابو رائطة في هذه الرسالة، كما في سابقيها، النظر العقلاني منهجا في بحثه مع افراده فصلا خاصا في شهادات الكتب المقدسة.

“اما المؤلف الرابع الذي يجب ضمه الى هذه المجموعة، فهو كتاب صغير من صفحة واحدة هو كناية عن قياس جدلي، يثبت فيه صحة النصرانية لأن العقلاء والجهال قبلوها بالآيات لا بالسيف.

2- من جدال ابي رائطة مع النساطرة والملكيين الخلقيدونيين، هناك اربعة مؤلفات: الاول، كتبه ابو رائطة لكي يُلقي على مسامع الامير الارمني اشوط سنباط مساكر الذي ارسل في طلب ابي رائطة لمناقشة ثاوذورس ابي قرة الملكي في موضوع الطبيعتين والاتحاد. المؤلف الثاني، أُرسل ايضا الى الامير الارمني نفسه وقد عرض فيه ابو رائطة رأيه في موضوع “التقديسات الثلاثة”، مناقشا بذلك موقف ابي قرة الملكي. وقد كتب ابو رائطة مؤلفا ثانيا في موضوع التقديسات.

“اما المؤلف الرابع الذي ينتمي الى هذه المجموعة فهو يشرح امر الاتفاق والاختلاف في الجوهر والاقانيم، ويناقش موقف الملكيين بحيث يدافع عن اعتقاد الكنيسة اليعقوبية في مطابقتها بين الجوهر والاقانيم. وهناك رسالة اخرى في الموضوع نفسه، نشرت في مجموعة غراف تحت عنوان: “من الرسالة الثالثة لابي رائظة في الرد على الملكية في الاتحاد”.

3- اما المؤلفات الثلاثة الباقية فهي كناية عن صفحات قليلة في موضوعات متفرقة: الاول شهادات من الكتاب المقدس في التوحيد والتثليث، والثاني هو مختصر في سر المسيح، والثالث هو مختصر مناقشة جرت عند احد الوزراء بين ابي رائطة وابي قرة وعبديشوع النسطوري تناولوا فيها موضوع الاتحاد والتجسد”.

* * *

يتميز ابو رائطة عن غيره من المدافعين بوضعه مجموعة من الافكار والقواعد التي لا بد منها لكي يكون الحوار مثمرا، ومن اهمها العلم والمعرفة والانصاف والاحترام المتبادل، وفي هذا يقول: “فنحن وانتم في الكلام سواء”.

لا ريب ان ابا رائطة التكريتي الذي عاش منذ اكثر من الف سنة هو معاصر لنا لجهة طلب المعرفة والحوار والسعي الى معرفة الاخر في تراثه وثقافته. لقد جاهد ابو رائطة لايجاد لغة واحدة تقرب المفاهيم السائدة بين المسلمين والمسيحيين، وبذلك من اجل معرفة حقيقية تبني لحوار اصيل ومنفتح عنوانه المحبة والسلام.

لا يمكنك نسخ المحتوى