التراث العربي المسيحي القديم

مقدمة

يكتسي التراث العربي المسيحي القديم اهمية خاصة، لانه تعبير عن خبرة فريدة للكنيسة في عالم الاسلام. لذلك عبّر المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني عن تقديره لهذا التراث ودعا الى دراسته والحفاظ عليه. يقول المجمع في قراره مجمعي “الكنائس الشرقية الكاثوليكية

“1- تولي الكنيسة الكاثوليكية الكنائس الشرقية، بمؤسساتها وطقوسها الليترجية وتقاليدها الكنيسة ونظامها في الحياة المسيحية، عظيم تقديرها. ذلك بأن هذه الكنائس يتألق فيها، بما لها من عراقة القدم، التقليد الذي انتقل من الرسل بالآباء، وهو بعض تراث الكنيسة الجامعة الذي لا يتجزأ. وان المجمع المسكوني، في ما يكنه من خالص الاهتمام للكنائس الشرقية التي هي شاهد حي لهذا التقليد، يتمنى لها الازدهار، وان تحمل، بنشاط رسولي متجدد على الدوام، اعباء الرسالة المنوطة بها…”(رقم 1).

“5- ان التاريخ والتقاليد والمؤسسات الكنسية العديدة تشهد شهادة وضاءة لما للكنائس الشرقية من عديد المآثر في خدمة الكنيسة الجامعة. من اجل ذلك لا يكتفي المجمع بأن يولي هذا التراث الكنسي والروحي ما هو حقيق به من تقدير وثناء، بل يرى فيه مُشددا تراثا عاما لكنيسة المسيح بأسرها. لذلك يصرح بوجه رسمي ان من حق الكنائس في الشرق، وواجبها، تماما كالكنائس في الغرب، ان تحكم نفسها طبقا لانظمتها الخاصة بها. ذلك بان هذه الانظمة هي عريقة في القدم، وهي اكثر تلاؤما مع عادات المؤمنين المنتمين اليها، واكثر فعالية لتضمن للنفوس نفعا جزيلا” (رقم 5).

“6- وليعلم جميع الشرقيين يقينا انهم يحق لهم، بل يجب عليهم، ان يحتفظوا على الدوام بطقوسهم الشرعية، ونظامهم الكنسي، وان لا يدخل من التغيير عليها الا ما تقضي به سُنة النمو الذاتي العضوي. فعلى الشرقيين اذن ان يحافظوا هم انفسهم على ذلك كله بكل امانة، وان يزيدوا به معرفة ابلغ، وبممارسته كمالا اوفر. واذا كانت ظروف الزمان واحوال الناس قد اضطرتهم الى الانحراف عنه فليفرغوا كنانة الجهد في العودة الى تقاليد آبائهم. واما الذين تدعوهم وظيفتهم او رسالتهم الى الاتصال المتواتر بالكنائس الشرقية او بابنائها فيجب عليهم، بحكم اهمية المهمة التي يضطلعون بها، ان يثقفوا تثقفيا دقيقا في معرفة ما يختص بالشرقيين من طقوس وانظمة وتعاليم وميزات خاصة، وتقديره حق قدره…”(رقم 6).

وبدورها تشدد الرسالة الراعوية الاولى لبطاركة الشرق الكاثوليك: “الحضور المسيحي في الشرق: شهادة ورسالة” على نفس التوصيات فتقول: 

“التراث الشرقي:
وهنا لا بد لنا من أن نلاحظ ان كنائسنا في الشرق اظهرت عبر التاريخ مقدرة فائقة على هذا التكيف الحضاري، الذي ادى الى نشوء حضارات وتراثات مختلفة ومتنوعة غذت التراث الكنسي العام والثقافة الانسانية بغنى عطائها وأصالة مساهمتها. وهو التراث الذي اشار اليه المجمع الفاتيكاني الثاني، واشاد بغناه، واعتبره ثروة الكنيسة باسرها. ولا تزال هذه التراثات حية عبر مختلف الكنائس المشرقية تستضيء بها وتضيء، وتجد فيها حافزا لمواجهة التحديات الثقافية والحضارية الحالية. ولا يسعنا في هذا المجال الا ان نشجع المبادرات التي ترمي الى احياء هذا التراث وترجمته ودراسته وتمحيصه وتعميمه كي يغذي الذاكرة المسيحية في بلداننا، وهي تواجه التحديات الحاضرة والنداءات المستقبلية. وهو ما يتم، ولو بشكل متواضع حتى الان، في مختلف كنائسنا. وحبذا لو وضع كل هذا تحت تصرف المؤمنين من مختلف كنائسنا ليشكل تراثنا المشترك الذي به نفخر ونستنير، اذ انه مرجع من مراجع حيوية ايماننا وحياتنا المسيحية. (رقم 28).

“تجسد في اللغة العربية
ان التفاعل الحضاري لكنائسنا لم يتوقف في وقت من الاوقات، بل احتفظ بحيوية متجددة عبر الاجيال والمراحل التاريخية المتعاقبة التي مرت بها منطقتنا. وهنا لا بد من الاشارة الى الحيوية الثقافية التي امتازت بها كنائسنا بعد الفتح العربي، حيث لم تقف الكنائس الشرقية المختلفة متفرجة، سجينة ماض ولى، بل راحت تعمل جاهدة للتعبير عن ذاتها، وفق الظروف الثقافية الجديدة. فدخلت اللغة العربية تدريجيا في مجالات حياتها الطقسية والفكرية واليومية. وبهذا نجحت كنائسنا في اجتياز تلك العتبة التاريخية بنجاح، بالرغم من جميع الصعوبات والعقبات، فاكتسبت اوراق اعتمادها، واصبحت جزءا لا ينفصل عن المسيرة الحضارية في هذه البقعة من العالم، التي ارادها الله حيزا لايمانها وعمقا لتجسده الحضاري. ولهذا فان المقولة السائدة: “ابت العربية ان تتنصر والنصرانية ان تتعرب” تناقضها الوقائع التاريخية الدامغة”. (رقم 29).

“وفي الحضارة العربية
لم يكتف المسيحيون في الشرق باتخاذ اللغة العربية كأداة تعبير في طقوسهم وثقافتهم ومعاملاتهم اليومية، بل تعدوا ذلك الى الاهتمام بالشأن الثقافي والحضاري العام. لم يقف المسيحيون متفرجين ازاء التبلور التدريجي للحضارة العربية، بل اسهموا فيها مساهمة فعالة، سواء عن طريق الترجمة او التأليف، خالقين بذلك صيغة رفيعة للتعاون الحضاري مع اخوتهم المسلمين تعتبر نموذجا حضاريا نفخر به بحق، وصورة من الصور المشرقة للعيش معا. وهذا هو التعاون الذي ادى الى تفتح حضارة عربية اصيلة مدت الثقافة الانسانية بديناميتها وغناها لقرون عديدة. وبذلك نشأ التراث الثقافي الواحد الذي ساهم الطرفان الدينيان في بلورته، والذي جعل التعاون والتلاحم الحضاري بين المسيحية والاسلام في بلادنا حقيقة واقعة في امانة كل طرف لايمانه ومعتقده. ونشير هنا الى ان اخوتنا اليهود كانوا، هم ايضا، طرفا مهما في هذا التفاعل الحضاري الخلاق، الذي يميز الماضي ويلهم المستقبل. ولم يقتصر الامر على تلك الحقبة المبدعة للحضارة العربية، بل تعداه الى الفترات التاريخية اللاحقة. ففي عصر النهضة الحديثة كان المسيحيون، أسوة باخوتهم المسلمين، من رواد تلك النهضة الثقافية والسياسية في العالم العربي التي لا نزال ننهل من معينها حتى اليوم. وهذا هو الحوار الحضاري الخلاق الذي ندعو الجميع في بلداننا الى المضي به قدما، مما يقتضي التواصل المستمر بينهم في ظروف تاريخية جديدة تفتح الباب امام المستقبل” (رقم 30).

التراث المسيحي العربي
ونود هنا ان ننوه بهذا التراث الضخم والواسع والفريد الذي اتخذ من العربية لغة ما، وهو ما اصبح يعرف اليوم بـ “التراث المسيحي العربي”، الذي نشأ بنوع خاص ما بين القرنين الثامن والرابع عشر في مختلف الكنائس المسيحية في الشرق. بقي هذا التراث حتى زمن قريب دفين المكتبات على شكل مخطوطات اثرية تبهر الباحثين بعددها، وتنوع موضوعاتها، وغنى مضامينها، وأصالة طروحاتها. اما اليوم فاننا نشيد بجميع الجهود التي تبذل منذ سنوات لتحقيق هذا التراث ونشره ودراسته بالاضافة الى البحوث العلمية التي تتناوله. ونود ان نشجع هذا الاتجاه ونوفر له الظروف الملائمة، كي يستمر ويتنامى لما فيه من افادة ومن حافز لصقل فكر مسيحي عربي في عصرنا الحالي. ونوجه النداء الى جامعاتنا ومعاهدنا ومراكز البحث العلمي عندنا كي تولي هذا الموضوع اهتماما وتوظف له الامكانات البشرية والمادية اللازمة” (رقم 31).

المتطلبات الحالية
ان العودة الى مثل هذا التراث لهو حافز لملاقاة احتياجات كنائسنا الحالية الملحة في المجال الثقافي والفكري. وفي مقدمتها تأتي اهمية الكتاب المسيحي والنتاج الفكري الاصيل. ان تراثنا المشرقي عريق وأصيل، ولكنه بحاجة الى ديمومة الحيوية والتجدد والخلق والابداع لخدمة المتطلبات الجديدة في ظروفنا الراهنة. ان حركة الترجمة والبحث والتأليف والنشر، وبالرغم من نشاطها المتنامي في العقود الاخيرة، لا تزال محدودة اذا ما قارناها بما يستجد من احتياجات. وهذا ما يدعونا الى مضاعفة الجهود، واتخاذ المبادرات العلمية، لاثراء المكتبة المسيحية العربية بما يلزمها من وسائل فكرية متنوعة تسند مسيرتنا المسيحية، وتعطيها مضمونا ثقافيا لا يمكن الاستغناء عنه. ويتصل بهذه الضرورة الحاجة الى دور نشر وتوزيع متخصصة تنسق في ما بينها لبعث الحركة الفكرية المسيحية في بلداننا. أضف الى ذلك ضرورة الاهتمام بوسائل الاعلام الحديثة بغية اقامة اداة عصرية للاعلام والثقافة تكون في الوقت عينه اداة حقيقية للحضور المسيحي والشهادة المسيحية”(رقم 32).

الفصل الاول

ايضاحات لفظية عامة

عن محاضرة للاب سمير خليل اليسوعي

في هذا البحث سوف نستخدم غالبا تعابير وكلمات تتطلب الكثير من الدقة لتجنب الالتباس. هذا العمل يبقى ضروريا مع ان الخوض في هذا الاتجاه هو جديد والبحث عن اصول الالفاظ لم يكتمل بعد.

1- التراث، الادب العربي، اللاهوت العربي، آباء الكنيسة العرب

في هذا الإطار سوف نتكلم مرارا عن التراث العربي المسيحي~، وعن الادب العربي المسيحي، وعن اللاهوت العربي المسيحي، وعن آباء الكنيسة العرب المسيحيين. لذلك ستعطي هذه التعابير معناها الحقيقي.

التراث العربي المسيحي يتضمن كل هذه المجموعة من الشهادات والمراجلع ذات الاختلاف الادبي التي تكوّن التراث الذي تركه لنا المسيحيون ذوي اللسان العربي والثقافة العربية.

اما الادب العربي المسيحي، فله صلات وثيقة بالتراث ذا الوجه الادبي والمراجع الكتابية الكثيرة. لكن هل نفهم من ذلك انها فقط المؤلفات ذات الصفة والمحتوى الديني المسيحي او كل المؤلفات حتى الطبية منها والفلسفية التي ألفها احد المسيحيين؟ مواقف المستشرقين تباينت. تروبو (Troupeau) وغراف (Graf) على سبيل المثال يحددون مجال هذا الادب في المؤلفات ذات الطابع والمحتوى المسيحي، باستثناء كل ما قد كتب من قبل مسيحيين اخرين في مجالات اخرى اكثر دنيوية. لكن اليوم هناك اتجاه نحو تجميع كل ما قد كتب من قبل مسيحيين ثقافتهم عربية تحت هذا العنوان.

داخل الادب العربي المسيحي نجد اللاهوت حيث يبدو لنا ان محتواه يوافق جوهر التعريف الكلاسيكي الذي وضعه القديس توما الاكويني وهو انه: “في اللاهوت، كل الاشياء تُدرس من زاوية الله إما لانها تتكلم عن الله او عن امور تتعلق بالله بصفة كونه مبدأها وغايتها”. المسلمون دعوا وما زالوا يدعون هذا العلم: “علم الكلام”. بينما المسيحيون دعوه “علم اللاهوت” (علم الالهيات).

اللاهوت العربي المسيحي عرف الكثير من الفروع منها: الكتابية، والتاريخية، والعملية، والعقائدية. كما ان هذا اللاهوت قد ظهر ضمن عدة اساليب منها: الدفاعي، والجدلي، وأسلوب المناظرة. ومع انه لا يمكن تحديد هذه الاساليب بدقة إلا اننا نستطيع القول ان “حوار ابراهيم الطبراني في القدس” يتبع اسلوب اللاهوت الدفاعي.

واخيرا نصل الى ما يمكن ان ندعوه آباء الكنيسة العرب. بالتأكيد طرأ على هذا اللفظ معنى محدد بما يتعلق بالمحتوى الذي هو (جماعة الشهود الذين يُحتج بهم في مواضيع الايمان)، وبما يتعلق بالمزايا وهي (استقامة العقيدة، وقداسة الحياة، والقدم، وموافقة الكنيسة)، وبما يتعلق بالزمن (فالقديس يوحنا الدمشقي كان اخر آباء الكنيسة، مع ان لوائح اسماء الآباء امتدت حتى القديس برناردس). لكن لا شيء مطلق في كل هذا، ففي المعنى الواسع علم آباء الكنيسة هو ايضا ببساطة (تاريخ الادب الكنسي القديم). فعلى الاقل في هذا المعنى، نستطيع ان نتكلم عن آباء الكنيسة العرب.

لربما لا يجوز لنا ان ندعو ابراهيم الطبراني ؟آب للكنيسة” بالمعنى التقني والضيق، لكن بالمعنى الادبي والتاريخي هو بالتأكيد “اب”، مؤسس وأساس هذا اللاهوت العربي الذي ولد في القرن السابع الميلادي، والذي تطور تديريجيا، وكدس تراث هائل بقي حي دائما بالمقارنة مع ما حصل للاخرين من اباء الكنيسة. اذا عندما نتكلم عن آباء الكنيسة العرب، سيكون ذلك عن مصادر، وبدايات، وأسس الادي العربي المسيحي.

2- العرب، العروبة، الثقافة العربية

توضيح ثان ضروري لمن يهمه معنى العروبة. اننا سنستخدم مرارا اللفظة “عرب”. هذه اللفظة ليست، في بحثنا هذا، بالمعنى السياسي ولا العرقي. ولكن لهذه اللفظة معنى ثقافي. بالتأكيد لعدة مواقف نستطيع ان نتكلم ايضا عنها بالمعنى العرقي. هناك عدة شعوب مسيحية ما بين سوريا والعراق، في الاردن وايضا في فلسطين، الذين هم ايضا من اصل عرقي عربي. وان كاتبنا لهو ايضا “من سلالة قبيلة عربية نموذجية، القحطان”

لكن المعنى العرقي محدد ودائما يصعب تأكيده. ما معنى عربي بدقة؟ السؤال يبقى دائما حساسا. وبعيدا عن كونه قطعيا واضحا ويبقى ايضا غير محددا ومفتوحا. في أي معنى، مثلا، مصري وفلسطيني يكونان عربيين؟ عرقيا، من المستحيل التحقق من هذا السؤال ويبقى بدون حل. ومن هذه النظرة وبالاخص ما يخصنا، واذا يبقى طرح المشكلة العرقية سيئا. لكن ثقافيا، وفي المعنى الاوسع والاكثر غنى لهذه اللفظة، السؤال يكتسب صفات اكثر محدودية ويصبح ممتعا. بالتخلي عن الاصل وعن الدين، قاطنوا مصر والعراق مثلا، مسلمين ومسيحيين وحتى يهود يعرفون في المعايير الثقافية عربا، وبالاخص عامل اللغة هو الذي يوحدهم ويجعلهم عربا.

بالحديث عن الفلسفة العربية وعن الادب العربي، هو اذا الحديث ايضا عن مفكرين وكتابا الذين، بتجردهم عن الاصل الفارسي، التركي او السوري (السرياني)… الخ، ثقافتهم عربية مجتمعو مع الذي توارثوه لتكوين انفسهم والتي هي عربية الاصل ويعود الفضل في ذلك الى عملهم وورثتهم الثقافية الشخصية. الحديث عن ثقافة عربية مسيحية او لاهوت عربي، هو بالمثل، الكلام عن كل الكتاب الملكيين، السريان، الاقباط وحتى اللاتين… الخ الذين عرفوا بسرعة في الثقافة العربية، وعبروا عن انفسهم بهذه اللغة، وبالتخلي عن اصلهم العرقي والطقسي، حملوا في هذه الثقافة الجديدة ورثتهم من آباء الكنيسة القدامى يونانيين، وسريان، واقباط، ولاتين…

3- الشرق الاوسط والارض المقدسة وفلسطين

سنتكلم مرارا في المساق عن الشرق الاوسط والارض المقدسة وفلسطين. تلك الكلمات التي قد تأخذ اليوم ابعادا سياسية محضة، تستحق ايضاحا. فلهذه الاصطلاحات ايضا التي نسمعها معنى حضاري، نستخدمه للاشارة الى الانتاج الادبي واللاهوتي الذي يظهر ذاته في اطار حضاري لهذه الاماكن المحددة، بمعزل عن العرقية وعن المشاكل السياسية.

نعني بالشرق الاوسط هنا المناطق (بلاد ما بين النهرين، سوريا وفلسطين، وشبه الجزيرة العربيةـ ومصر بالاضافة الى اجزاء من تركيا وبلاد فارس) التي سادت فيها الحضارات (اللغات والطقوس واللاهوت…) اليونانية والسريانية (الشرقية والغربية) والقبطية التي انصهرت فيما بعد في العالم، وفي الحضارات العربية.

اصطلاحا “الارض المقدسة” و “فلسطين”: الاول يتضمن الوجه الروحي، اما الثاني فيدل على الوجه الجغرافي. هذان الاصطلاحان لم يكن لهما مطلقا أي حد معلوم، اما اصطلاح الارض المقدسة (في نصنا العربي: اللاماكن المقدسة) وفلسطين (هذا المصطلح يستخدم مرارا في الادي العربي المسيحي باسم فلسطين) يعنيان عادة المساحة الجغرافية الممتدة من البحر الابيض المتوسط وحتى الاردن، ومن فنيقية وحتى مصر، ومن المحتمل ان تمتد عبر الاردن وعبر سيناء.

فلسطين بالمعنى الحضاري اذا تعني، ومن دون أي تمييز، ذلك التراث الادبي واللاهوتي الناشيء في تلك المنطقة، سواء كان لليهود ام للمسلمين ام للمسيحيين. تواجد سائر سكان الارض المقدسة وتعرفوا على فلسطين بالمعنى الجغرافي وخصوصا بالمعنى الثقافي. وبالتالي، فالراهب ابراهيم الطبراني على سبيل المثال هو فلسطيني، ويهود طبريا الموسوريون او الشاعر العازر كالبر يمكن ان ندعوهم فلسطينيين، وهكذا العالم المسلم سليمان ابن يوسف الطبري.

ففي الشرق الاوسط وفي القرون الوسطى، بهذه المعنى الحضاري لمصطلحي “عربي” و”فلسطيني” – وهو معنى قابل للتبرير ومبرر بجذوره في التقليد والتاريخ – يتعارف البشر على بعضهم ويلتقون بعيدا عن العرق والسياسة والدين. وهذا المعنى الحضاري نفسه يعكس صورة الادب المسيحي.ان التراث العربي المسيحي يكاد يكون مجهولا تماما في جميع الفئات، سواء كانت الفئات الدينية او العلمانية، عند المسيحيين والمسلمين من العرب، شرقا وغربا.

لا يمكنك نسخ المحتوى