التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية المقدسة

المقال الثاني

سر التثبيت

1285- مع المعمودية والافخارستيا ، يؤلف سر التثبيت مجموع ” الأسرار المدخلة الى الحياة المسيحية ” التي لا بد اذن من ان يفسر للمؤمنين ان قبول هذا السر ضروري لانجاز نعمة المعمودية . ” فسر التثبيت يتوثق ارتباط المعمدين بالكنيسة على وجه أكمل ، ويؤتيهم الروح القدس قوة خاصة تلزمهم التزاما اشد بنشر الأيمان ، والذوذ عنه بالقول والعمل ، فعل شهود للمسيح حقيقين “

1. التثبيت في تدبير الخلاص

1286- لقد أنبا العهد القديم ان روح الرب يحل على الماسيا المرتقب ، لتحقيق رسالته الخلاصية . وهبوط الروح القدس على يسوع عندما اعتمد عن يد يوحنا ، كان الدليل على انه هو المزمع ان يأتي ، وأنه هو الماسيا ، ابن الله . وبما انه حبل به بالروح القدس ، فحياته كلها ورسالته كلها قد تحققنا في ملء الشركة مع الروح القدس لبذي أفاضه الآب عليه ” بغير حساب ” ( يو 34:3 )

1287 – ملء الروح هذا لم يكن ليظل مقصوراعلى الماسيا ، بل كان لا بد ان يعم الشعب الماسيوي بأسرة . وقد وعد المسيح غير مرة بأن يفيض الروح ، وقد تم ذلك اولا يوم الفصح ثم ، بطريقة أسطع ، يوم العنصرة .فامتلأ الرسل من الروح القدس وابتدأوا يعلنون ” عجائب الله ” ( أع 11:2 ) وصرح بطرس ان افاضه الروح انما هي علامة الأزمنة الماسيوية. فالذين آمنوا بكرازة الرسل وقبلوا معمودية نالوا هم ايضا الروح القدس .

1288- ” منذ ذلك الحين ، أخذ الرسل يضعون الأيدي على المعتمدين حديثا ، امتثالا لأرادة المسيح ، ويمنحونهم موهبة الروح القدس مكملة نعمة المعمودية . ولذا نجد في الرسالة الى العبرانين ، بين مقومات مبادىء التعليم المسيحي ، العقيدة في شأن المعموديات وفي شأن وضع الأيدي أيضا . ويرى التقليد الكاثوليكي بحق ، في وضع الأيدي ، جذور سر التثبيت الذي يواصل ، نوعا ما ، في الكنيسة ، موهبة العنصرة”

1289- وقد أنضاف ، قديما جدا ، الى وضع ألأيدي ، مسحة بالزيت المعطر (الميرون) ، ترمز الى موهبة الروح القدس . هذه المسحة تفسر اسم ” المسيحي ” أي “المسموح” والمستوحي من اسم المسيح نفسه الذي ” مسحه الله بالروح القدس” ( أع 38:10 ) . هذه المسحة لا تزال مستعملة ، الى ايامنا هذه ، في الشرق كما في الغرب . ولذا يسمى هذا السر ، في الشرق ، ” سر المسحة ” ، أي المسحة بالزيت المقدس ، أو الميرون.
تسمية هذا السر بسر” التثبيت ” في الغرب توحي بأن هذا السر يثبت المعمودية وفي الوقت عينه يوطد النعمة العمادية.

تقليدان : في الشرق وفي الغرب

1290- في القرون الأولى كان التثبيت يمنح عادة ، مع المعمودية ، في حفلة واحدة ، مكونا معها ، على حد تعبير القديس كبريانوس ، ” سرا مزدوجا ” من جملة الأسباب التي منعت حضور الأسقف في كل حفلات المعمودية ، تكاثر عدد معموديات الأطفال ، في كل أوقات السنة ، وتكاثر عدد الرعايا ( الريفية ) ، ومن ثم تضخم الأبرشيات. في الغرب ، بسبب الرغبة في ان تحصر في الأسقف حفلة تتويج المعمودية بالتثبيت ، بدأت عادة الفصل بين السرين بمسافة زمنية .وأما الشرق فقد ظل علة اقامة السرين متحدين ، بحيث بات الكاهن المعمد هو الذي يمنح سر التثبيت . ولكن لا يجوز لهذا الكاهن ان يمسح الا ” الميرون ” الذي يقدسه الأسقف .

1291- لقد سهلت كنيسة روما ، جريا على عادة لديها ، تطور الممارسة الغربية باعتماد مسحة مزدوجة بالزيت المقدس بعد المعمودية ، يمنحها الكاهن للمعتمد جديدا بعد غسل المعمودية ، ويكملها الاسقف بمسحة ثانية على جبهة كل من المعتمدين الجدد . فالمسحة الأولى بالزيت المقدس التي يمنحها الكاهن ظلت مرتبطة بالطقس العمادي ، وترمز الى اشتراك المعتمد في وظائف المسيح الثلاث: النبوية والكهنوتية والملكية. أما اذا منحت المعمودية لبالغ فليس ثمة سوى مسحة واحدة بعد المعمودية هي مسحة التثبيت.

1292- الطريقة المتبعة في الكنائس الشرقية تنوه بوحدة الأسرار المدخلة الى الحياة المسيحية . وأما الطريقة اللاتينية فتعبر بوضوح أكثر عن الشركة القائمة بين المعتمد حديثا وأسقفة ، كفيل وخادم وحدة كنيسته وشموليتها ورسوليتها ، ومن ثم فهي تعبر عن الرباط الذي يصلها بكنيسة المسيح وجذورها الرسولية .

علامات سر التثبيت ورتبته

1293- رتبة سر التثبيت تتضمن المسحة علامة حسية ، وما ترمز اليه المسحة وتطبعة في النفس ، وهو الختم الروحي .
السحة ، في الرموزية الكتابية والغابرة ، مشحونة بالمعاني : فالزيت هو رمز الوفرة والبهجة ووسيلة تنقية ( المسحة قبل الغسل وبعده) ومرونة ( مسحة الرياضيين والمصارعين ) ، وهو علامة شفاء ، بدليل أنه يخفف اللدمات الجروح ، ويضفي على الجسد جمالا وصحة وقوة.

1294- كل هذه المعاني المرتبطة بمسحة الزيت نجدها في الحياة الأسرارية . فالمسحة قبل المعمودية بزيت الموعظين ترمز الى التنقية والتقوية ، مسحة المرضى تشعر بالبرء والابلال من المرض. والمسحة بالزيت المقدس بعد المعمودية في سر التثبيت ، والرسامة الكهنوتية ، هي علامة التكريس. بالتثبيت يشترك المسيحيون ، أي المسحاء ، اشتراكا افعل في رسالة يسوع وامتلائه من الروح القدس الفائض فيه ، فيفوح من حياتهم ” اريج طيب المسيح

1295- بهذه المسحة ينال طالب التثبيت ” سمة ” الروح القدس ” وختمة ” . فالختم هو رمز الشخص وعلامة سلطته وأمتلاكه لمتاع ما – فهكذا كانوا يسمون قديما الجنود بوسم زعيمهم ، والعبيد بوسم سيدهم – ، وهو مصداق فعل قانوني أو وثيقة يضفي عليهما طابع السرية .

1296 – المسيح نفسه يعلن ذاته مثبتا بختم أبيه . والمسيحي هو أيضا ممهور بختم : ” ان الذي يثبتنا وأياكم للمسيح والذي مسحنا هو الله ، وهو الذي ختمنا بخاتمه وجعل في قلوبنا عربون روحه ” ( 2كو 21:1 – 22 ) . ختم الروح القدس هذا هو علامة الأنتماء الكامل الى المسيح والتطوع لخدمته على الدوام ، ولكنه وعد لنا برعايته تعالى في محنة الأزمنة الأخيرة .

الاحتفال بسر التثبيت

1297 – هناك لحظة هامة تسبق الاحتفال بسر التثبيت ، وأن كانت، نوعا ما ، جزءا منه لا يتجزأ : وهي لحظة تكريس الزيت المقدس. الأسقف هو الذي يكرس الزيت المقدس لكل أبرشيته ، يوم الخميس المقدس ، أثناء القداس الميروني. في كنائس الشرق ، هذا التكريس محفوظ للبطريك :
الليترجيا الأنطاكية تعبر على النحو التالي عن استدعاء الروح القدس لتكريس الزيت المقدس ( الميرون ) : ” ( أيها الآب (…) أرسل روحك القدوس) علينا وعلى هذا الزيت الذي بين أيدينا وقدسه ليكون لجميع الذين يمسحون ويختمون به ، ميرونا كهنوتيا ،ميرونا ملكيا ، مسحه بهجة ، وثوب النور ، وحلة الخلاص ، والعطية الروحية ، وتقديسا للنفوس والأجساد ، والسعادة التي لا تبلى ، والختم الذي لا يمحي ، ودرع الأيمان والخوذة الرهيبة لصد كل غزوات العدو “

1298- عندما يحتفل بسر التثبيت مفصولا عن المعمودية ، كما هي الحال في الطقس اللاتيني ، تبدأ ليترجيا التثبيت بتجديد وعود المعمودية وأعلان ايمان المزمعين ان ينالوا السر . ويتضح هكذا ان التثبيت يظل في خط المعمودية . وأما اذا تعمد أحد البالغين فينال حالا سر التثبيت ويشترك في الافخارستيا .

1299- في الطقس الروماني ، يبسط الأسقف يديه على مجموع المستعدين للتثبيت ، وذلك من عهد الرسل ، علامة موهبة الروح . ويلتمس الأسقف أفاضة الروح بهذا الدعاء :
” أيها الآب الفائق الصلاح ، أبو ربنا يسوع المسيح ، أنظر الى هؤلاء المعمدين الذي نضع أيدينا عليهم : لقد أعتقتهم من الخطيئة بالمعمودية ووهبتهم ان يولدوا ثانية من الماء والروح. أفض الآن عليهم روحك القدوس ، حسب وعدك . أعطهم ملء الروح الذي نزل على ابنك يسوع : روح الحكمة والفهم ، روح المشورة والقوة ، روح المعرفة والمحبة البنوية . املأهم من روح مخافة الله ، بيسوع ربنا”

1300- ويلي الجزء الجوهري في رتبة سر التثبيت . في الطقس اللاتيني ” يمنح سر التثبيت بمسح الجبهة بالزيت المقدس ووضع اليد مع هذه الكلمات :
”  Accipe signaculum doni Spiritus Sancti ” فلتختم بختم الروح القدس ، موهبة الله” . في الكنائس الشرقية ، تتم المسحة بالميرون ، بعد صلاة الأستدعاة ، على الأجزاء المميزة في الجسم : الجبهة والعينين والأنف والأذنين والشفتين والصدر والظهر واليدين والرجلين . وترافق كل مسحة العبارة التالية :” ختم موهبة الروح القدس”

1301- قبلة السلام التي تأتي في ختام الحفلة ترمز الى الشركة الكنسية بين الأسقف وجميع المؤمنين وتظهرها.

3. مفاعيل التثبيت

1302- نستنتج من حفلة التثبيت أن مفعول السر هو أفاضة الروح القدس الخاصة كما افيض قديما على الرسل يوم العنصرة .

1303- من هذا الملحظ، يعمل سر التثبيت على أنماء نعمو المعمودية وترسيخها: – يرسخنا ترسيخا أعمق في البنوة الألهية التي تتيح لنا القول : “أبا، يا أبتاه” (رو 15:8 )؛
— يزيدنا ثباتا في اتحادنا بالمسيح ؛
— يزيد مواهب الروح القدس فينا ؛
— يجعل ارتباطنا بالكنيسة أكمل ؛

– يمنحنا قوة خاصة من الروح القدس لننشر الأيمان ونذود عنه بالكلام والعمل ، فعل شهود للمسيح حقيقيين ، ونعترف باسم المسيح بشجاعة ولا نستحي أبدا بصليبه :
” تذكر اذن أنك نلت الختم الروحي ، روح الحكمة والفهم ، روح المشورة والقوة ، روح المعرفة والتقوى ، روح المخافة المقدسة ، وحافظ على ما نلته . لقد ختمك الله الآب بختمه ، وثبتك المسيح الرب ووضع في قلبك عربون الروح “

1304- سر التثبيت كالمعمودية التي يكملها ، لا يمنح الا مرة واحدة . فالتثبيت يسم النفس بسمة روحية لا تبلى ، أي ” الختم ” . وهو الدليل على ان يسوع المسيح قد ختم المسيحي بختم روحه ، وألبسة قوة من العلاء ليكون له شاهدا .

1305- أن ” الختم ” يكمل كهنوت المؤمنين العام الذي نالوه في المعمودية . ” ويتلقى المثبت قوة الأعتراف بايمان المسيح جهارا : تلك مهمة القيت على عاتقه” .

4. من الذي يقبل هذا السر ؟

1306 – كل معمد لم يثبت بعد يجوز له بل يجب عليه أن يقبل سر التثبيت . وبما أن المعمودية والتثبيت والافخارستيا تؤلف وحدة، ” فعلى المؤمنين ، من باب اللزوم ، أن يقبلوا هذا السر في الوقت المناسب ” ، لأن سر المعمودية ، بدون التثبيت والافخارستيا ، يبقى ولا صحيحا و فاعلا، ولكن المدخل الى الحياة المسيحية يظل ناقصا.

1307- التقليد اللاتيني ، منذ قرون ، يعتبر ” سن التمييز ” نقطة أرتكاز لنيل سر التثبيت ، ولكن في خطر الموت ، يجب تثبيت الأولاد حتى قبل بلوغهم سن التمييز .

1308- أذا أعتبر التثبيت أحيانا ” سر النضج المسيحي ” ، فيجب الا نخلط بين سن البلوغ في الأيمان وسن البلوغ الطبيعي ، والا يفوتنا ان نعمة المعمودية هي عطية اختيار مجانية لا نستحقها وليست بحاجة الى ان ” يصادق عليها” لتصبح فاعلة. وهذا ما يذكر بة القديس توما :
” سن الجسد لا يجحف بالنفس . وهكذا يستطيع الانسان ، حتى في عهد الطفولة ، ان ينال كمال السن الروحي الذي يتحدث عنه سفر الحكمة :
” سن الجسد لا يجحف بالنفس. وهكذا في عهد الطفولة ، أن ينال كمال السن الروحي الذي يتحدث عن سفر الحكمة : ” ان الشيخوخة المكرمة هي القديمة الأيام ولا هي تقدر بعدد السنين ” (8:4). وهكذا استطاع أولاد كثيرون ، بقوة الروح القدس التي كانوا قد حظوا بها ، أن يكافحوا بشجاعة وحتى الدم لأجل المسيح.

1309- هدف الأعداد لسر التثبيت ان يتيح للمسيحي اتحادا أوثق بالمسيح ، وألفه اعمق مع الروح القدس وعمله ونداء اية ، ليتمكن من الاضطلاع بالمسؤليات الرسولية التي توجبها الحياة المسيحية . ولذا يجب السعي ، في التعليم الاعدادي للتثبيت ، الى ايقاظ حس الأنتماء الى كنيسة يسوع المسيح ، سواء الكنيسة الجامعة أم الجماعة الرعوية. وتتحمل هذه الجماعة الأخيرة مسؤولية خاصة في تهيئة المعدين للتثبيت.

1310- لقبول التثبيت لا بد للمرء من ان يكون في حالة البرارة. ويستحسن اللجوء الى سر التوبة لتنقية الضمير استعدادا لموهبة الروح القدس . ولا بد من صلاة حارة تعد المؤمن قوة لقبول قوة الروح القدس ونعمة قبولا سلسا وطيعا .

1311- في التثبيت كما في المعمودية يستحسن اللجوء الى عرابة يقدمان للمرشحين للتثبيت دعما روحيا : ويستحسن أيضا ان يكون هو نفس العراب المستدعى للمعمودية ، تنويها بوحدة السرين .
خادم سر الثبيت

1312- الأسقف هو الخادم الأصيل لسر التثبيت .
في الشرق ، الكاهن المعمد هو الذي يمنح عادة وفورا سر التثبيت في حفلة واحدة. ولكنه يستعمل ، في التثبيت ، الزيت الذي قدسه البطريك او الأسقف ، تأكيدا لوحدة الكنيسة الرسولية التي تجد ، في سر التثبيت ، وسيلة لتمتين عراها. في الكنيسة اللاتينية يطبق هذا النظام نفسه في معموديات البالغين ، وكل مرة يقبل ، في ملء الشركة مع الكنيسة ، معمد من طائفة مسيحية أخرى لم ينل سر التثبيت بوجه صحيح

1313- في الطقس اللاتيني ، الخادم العادي لسر التثبيت هو الأسقف . حتى وأن جاز للأسقف ، في حال الضرورة ، ان يفوض الى كهنة سلطة القيان بمنح التثبيت ، الا انه من اللائق أن يمنحه هو نفسه ، ولا يفوته ان الاحتفال بسر التثبيت قد فصل وقتيا عن المعمودية لهذا السبب عينة. فالأسقافة هم خلفاء الرسل ، وقد نالوا ملء سر الكهنوت . فأن يقوموا هم أنفسهم بمنح هذا السر يشير بوضوح الى ان من مفاعيله أن يوحد المثبتين ، بطريقة أوثق ، بالكنيسة وجذورها الرسولية ورسالتها القاضية بأن تكون شاهدة للمسيح.

1314- أذا وجد مسيحي في خطر الموت، يستطيع كل كاهن أن يمنحه سر التثبيت . فالكنيسة تريد ألا يخرج من هذا العالم أحد من ابنائها ، وان طفلا ، بدون ان يمتمل بالروح القدس وموهبة ملء المسيح.

بايجاز

1315- ” وسمع الرسل في أورشليم أن السامرة قبلت كلمة الله ، فأرسلوا اليها بطرس ويوحنا فنزلا اليها وصليا من اجلهم لينالوا الروح القدس ، لأنه لم يكن قد نزل بعد على احد منهم ، أنما كانوا قد اعتمدوا فقط باسم الرب يسوع. فوضعا ايديهما عليهم ، فنالوا الروح القدس ” ( اع 14:8 -17)

1316- التثبيت يكمل نعمة المعمودية . انه السر الذي يهب الروح القدس ليرسخنا ترسيخا أعمق في البنوة الألهية ، ويدمجنا ، بوجه أثبت ، في جسد المسيح ، ويمتن ارتباطنا بالكنيسة ، ويشركنا اكثر في رسالتها ، ويساعدنا في اداء شهادة الأيمان المسيحي قولا وعملا.

1317- التثبيت كالمعمودية يطبع النفس المسيحية بطابع روحي ، اي بختم لا يبلى. ولا يجوز ، من ثم ، قبول هذا السر الا مرة واحدة في الحياة.

1318- في الشرق ، يمنح هذا السر فورا بعد المعمودية ، ويليه الاشتراك في الافخارستيا ، وهو تقليد ينوه بوحدة الاسرار الثلاثة المدخلة الى الحياة المسيحية. في الكنيسة اللاتينية يمنح هذا السر عندما يبلغ الولد سن الرشد ، ويحصر الاحتفال به عادة في الأسقف للأشارة الى ان هذا السر يمتن الرباط الكنسي.

1319- طالب التثبيت الذي بلغ سن الرشد يجب أن يعلن الأيمان ، ويكون في حال البرارة وينوي قبول السر ويكون مستعدا للاضطلاع بدوره تلميذا وشاهدا للمسيح ، ضمن الجماعة الكنسية وفي الشؤون الزمنية.

1320 الطقس الأساسي في التثبيت هو مسحة جبهة المعتمد بالزيت المقدس ، ( وفي الشرق أعضاء أخرى من الحواس ) ، مع وضع يد خادم السر، مصحوبا بالكلمات التالية “accipe signaculum doni spiritus sancti” ” خذ ختم موهبة القدس” ، في القدس الروماني ، و ” signaculum doni spiritus sancti” ” ختم موهبة الروح القدس ” في الطقس البيزنطي.

1321- عندما يحتفل بسر التثبيت مفصولا عن المعمودية ، فارتباطه بالمعمودية يتبين في امور عدة، ولا سيما في تجديد وعود المعمودية. الأحتفال بسر التثبيت خلال الافخارستيا يساعد في التنويه بوحدة الأسرار المدخلة الى الحياة المسيحية.

المقال الثالث

سر الافخارستيا

1322- الافخارستيا المقدسة تختتم مرحلة التنشئة المسيحية. فالذين اكرموا الكهنوت الملكي بالمعمودية، وتصوروا، بالتثبيت، بصورة المسيح بوجه اعمق، يشتركون مع كل الجماعة، في ذبيحة السيد نفسه، بواسطة الافخارستيا.

1323- “ان مخلصنا وضع، في الع8شاء الاخير، ليلة اسلم، ذبيحة جسده ودمه الافخارستية، لكي تستمر بها ذبيحة الصليب على مر الاجيال ، الى ان يجئ، ولكي يودع الكنيسة عروسه الحبيبة، ذكرى موته وقيامته: انه سر تقوى، وعلامة وحدة، ورباط ووليمة فصحية، فيها نتناول المسيح غذاء، وتمتلئ النفس بالنعمة، ونعطى عربون الاتي” .

الافخارستيا : منبع الحياة المسيحية وقمتها

1324- الافخارستيا هي “منبع الحياة المسيحية كلها وقمتها” . “فالاسرار وجميع خدم الكنيسة والمهام الرسولية مرتبطة كلها بالافخارستيا ومترتبة عليها. ذلك بان الافخارستيا تحتوي على كنز الكنيسة الروحي باجمعه، أي على المسيح بالذات فصحنا”

1325- ” شركة الحياة مع الله ووحدة شعب الله هما قوام الكنيسة، واليهما ترمز الافخارستيا وبها تتحققان. والافخارستيا هي قمة العمل الذي به يقدس الله العالم في المسيح، كما انها ذروة العبادات التي يرفعها الناس الى المسيح، وبه الى الاب في الروح القدس” .

1326- بالاحتفال الليترجي، نتحد اخيرا ومنذ الان بليترجيا السماء ونستبق الحياة الابدية حيث “يكون الله كلا في الكل” ( 1 كو 18:15).

1327- وقصارى القول ان الافخارستيا هي موجز ايماننا وخلاصته: “فكريقة تفكيرنا تنطبق على الافخارستيا، والافخارستيا، في المقابل، تثبت طريقة تفكيرنا” .

2. تسميات هذا السر

1328- يملك هذا السر من غزارة المعاني ما يحمل على تسمية بتعابير متنوعة، يوحي كل منها ببعض من وجوهه. فهو يسمى:
الافخارستيا: لانه اداء شكر الله. فلفظتنا (لو 19:22؛ 1 كو 24:11) و (متى 26:26؛ مر 12:14)، تذكران بالبركات اليهودية التي كانت تشيد باعمال الله، ولاسيما في اوقات الطعام: الخلق والفداء والتقديس.

1329- مائدة الرب : فالافخارستيا تذكر بالعشاء الذي تناوله الرب بصحبة تلاميذه عشية الامه وهي ايضا استباق لمائدة عرس الحمل في اورشليم السماوية.

كسر الخبز: هذه العادة المرعية في الموائد اليهودية، كان يسوع يعمد اليها، عند بركة الخبز وتوزيعه، بصفته المتقدم في المائدة ، وقد عمد اليها خصوصا في العشاء الاخير و “بكسر الخبز” عرفه التلاميذ، بعد القيامة . وهي العبارة التي استعملها المسيحيون الاولون للدلالة على اجتماعاتهم الافخارستية ، وهم يعبرون بذلك عن ان جميع الذين يتناولون من هذا الخبز الواحد المكسور، أي المسيح، يدخلون في الشركة معه ولا يعودون يؤلفون سوى جسد واحد معه .

المحفل الافخارستي : وذلك بان الافخارستيا يحتفل بها في جماعة المؤمنين وهي التعبير المرئي للكنيسة .

1330- تذكار الام الرب وقيامته
الذبيحة المقدسة: لان الافخارستيا تجسد في الحاضر الذبيحة الوحيدة، ذبيحة المسيح المخلص ، وتتضمن تقدمة الكنيسة: وتسمى ايضا ذبيحة القداس المقدسة ، “ذبيحة التسبيح” (عب 15:13) ، الذبيحة الروحية ، الذبيحة الطاهرة المقدسة، لانها تكمل وتفوق ذبائح العهد القديم كلها.

الليترجيا الالهية المقدسة، لان ليترجيا الكنيسة كلها تجد محورها وعبارتها الابلغ في الاحتفال بهذا السر. وبهذا المعنى ايضا نسميها الاحتفال بالاسرار المقدسة . وثمة ايضا عبارة السر الاقدس ، لان الافخارستيا هي سر الاسرار. وتسمى بهذا الاسم الاعراض الافخارستية المحفوظة في بين القربان.

1331- الشركة:لاننا، بهذا السر، نتحد بالمسيح الذي يصيرنا شركاء في جسده وفي دمه لنكون جسدا واحدا . ونسميها ايضا الاقداس – وهذا ما تشير اليه اولا عبارة “شركة القديسين” الواردة في قانون الرسل – وخبز الملائكة، وخبز السماء، ودواء الخلود والزاد الاخير…

1332- القداس: (Missa باللغة اللاتينية) لان الليترجيا التي يتم فيها سر الخلاص تنتهي (في الطقس اللاتيني) بارسال المؤمنين (Missio)، ليحققوا ارادته تعالى في حياتهم اليومية.

3. الافخارستيا في تدبير الخلاص

علامتا الخبز والخمر

1333- في صلب الاحتفال بالافخارستيا، نجد الخبز والخمر اللذين يتحولان بكلمات المسيح واستدعاء الروح القدس، الى جسد المسيح ودمه.
وتستمر الكنيسة، في طاعتها لامر الرب، في تجديد ما صنعه في عشية الامه، تذكارا له، الى ان يعود في مجده: “اخذ خبزا…” “اخذ الكاس المملوءة خمرا…”. عندما يصير الخبز والخمر سريا جسد المسيح ودمه، فهما لا ينفكان يرمزان، في الوقت نفسه، الى جودة الخليقة. وهكذا في صلاة التقدمة، نشكر للخالق عطية الخبز والخمر ، ثمرة “جهد الانسان”. ولكننا نشكر له اولا “ثمرة الارض”، “وثمرة الكرمة”، وهما من عطايا الخالق. وترى الكنيسة في قربان ملكيصادق، الملك والكاهن، الذي “قدم خبزا وخمرا” (تك 18:14) صورة مسبقة لقربانها .

1334- في العهد القديم كان الخبز والخمر يقدمان قربانا من بواكير الارض، علامة اعتراف بالخالق. ولكنهما اكتسبا، في قرائن سفر الخروج، مغزى جديدا: فالخبز الفطير الذي يتناوله بنو اسرائيل كل سنة في عيد الفصح يذكرهم بخروجهم، على عجل، من عبودية ارض مصر. واما ذكرى المن في البرية فهي تعيد الى اذهان بني اسرائيل دائما انهم يحيون من خبز كلام الله . هناك اخيرا الخبز اليومي وهو ثمرة ارض الميعاد وعربون صدق الله في مواعيده. “كاس البركة” ( 1 كو 16:10) التي يختتم بها اليهود الوليمة الفصحية تضفي على فرح العيد ونشوة الخمر، معنى اخرويا نابعا من ذاك الترقب الماسيوي لاورشليم الجديدة. لقد اضفى يسوع، باقامته الافخارسئيا، معنى جديدا وحاسما على بركة الخبز والكاس.

1335- معجزات تكثير الخبزات، يوم باركها الرب وكسرها ووزعها بواسطة تلاميذه لاطعام الجمع، تنبئ بتوافر هذا الخبز الافخارستي الوحيد . والماء المحول خمرا في قانا يرمز الى الساعة التي يتمجد فيها يسوع، ويعلن اكتمال وليمة العرس في ملكوت الاب، حيث يشرب المؤمنون الخمر الجديد صائرا دم المسيح.

1336- اول انباء بالافخارسئيا قسم التلاميذ بعضهم على بعض، كما ان الانباء بالالام شككهم: “هذا كلام عسير من يطيق سماعه؟” (يو 60:6). الافخارستيا والصليب كلاهما حجر عثار. ولا يزال هذا السر نفسه سبب شقاق: “افلا تريدون ان تذهبوا من انه هو وحده يملك”كلمات الحياة الابدية” (يو 68:6)، وان من يقبل في الايمان عطيته الافخارستية انما يقبله هو نفسه.

تأسيس الافخارستيا

1337- ان الرب، اذ احب خاصته، احبهم غاية الحب. واذ عرف ان ساعته قد حانت ليمضي من هذا العالم ويعود الى ابيه، قام عن الطعام وغسل اقدام تلاميذه واعطاهم وصية الحب . ولكي يورثهم عربون هذا الحب، ويظل ابدا معهم، ويشركهم في فصحه، وضع الافخارستيا تذكارا لموته وقيامته، وامر رسله بان يقيموها الى يوم رجعته، “جاعلا اياهم كهنة العهد الجديد” .

1338- الاناجيل الازائية الثلاثة والقديس بولس نقلوا الينا خبر اقامة الافخارستيا. والقديس يوحنا يسرد لنا، من جهته، اقوال يسوع في مجمع كفرناحوم، وهي اقوال تؤذن باقامة الافخارستيا، وفيها يعلن المسيح نفسه خبز الحياة النازل من السماء .

1339- لقد اختار يسوع زمن الفصح ليحقق ما انبا به في كفرناحوم: ان يعطي تلاميذه جسده ودمه:

“وجاء يوم الفطير وفيه يجب ذبح حمل الفصح فارسل (يسوع) بطرس ويوحنا وقال لهما: “اذهبا فاعدا لنا الفصح لنأكله”. (…) فذهبا(…) فاعدا الفصح. فلما اتت الساعة جلس هو والرسل للطعام، فقال لهم: “اشتهيت شهوة شديدة ان اكل هذا الفصح معكم قبل ان اتالم. فاني اقول لكم: لا اكله بعد اليوم حتى يتم في ملكوت الله”. (…) ثم اخذ خبزا وشكر وكسره وناولهم اياه وقال: “هذلا هو جسدي يبذل من اجلكم. اصنعوا هذا لذكري”. وصنع مثل ذلك على الكاس بعد العشاء فقال: “هذه الكاس هي العهد الجديد بدمي الذي يراق من اجلكم” (لو 7:22-20) .

1340- عندما احتفل يسوع بالعشاء الاخير مع رسله اثناء الطعام الفصحي، اضفى على الفصح اليهودي معناه النهائي. فانتقال يسوع الى ابيه، بموته وقيامته، وهو الفصح الجديد، قد تم قبل اوانه في العشاء، ونحتفل به في الافخارستيا التي تكمل الفصح اليهودي وتستبق فصح الكنيسة الاخير، في مجد الملكوت.

“اصنعوا هذا لذكري”

1341- وصية يسوع بان نكرر افعاله واقواله “الى ان يجيء”، لا تقتصر على ان نتذكره ونتذكره ما قام به، بل تهدف الى ان يتولى الرسل وخلفاؤهم الاحتفال الليترجي بتذكار المسيح: حياته وموته وقيامته وتشفعه الى الاب.

1342- لقد ظلت الكنيسة، منذ البدء، وفية لوصية الرب. فقد قيل في كنيسة اورشليم:

“كانوا يواظبون على تعليم الرسل والشركة الاخوية وكسر الخبز والصلوات. (…) وكانوا يلازمون الهيكل كل يوم بقلب واحد ويكسرون الخبز في البيوت ويتناولون الطعام بابتهاج وسلامة قلب” (أع 42:2، 46).

1343- وكان المسيحيون يجتمعون خصوصا “في اول الاسبوع”، أي يوم الاحد، اليوم الذي قام فيه يسوع، “ليكسروا الخبز” (أع 7:20). ومن ذلك الوقت حتى ايامنا، نواصل الاحتفال بالليترجيا، بحيث نلقاها اليوم، في كل انحاء الكنيسة، بنفس الهيكلية الاساسية، وتظل هي محور حياة الكنيسة.

1344- وهكذا من احتفال الى احتفال، يتقدم شعب الله في طريق حجة، مبشرا بسر يسوع الفصحي”الى ان يجيء” ( 1 كو 26:11)، “وداخلا من باب الصليب الضيق” الى الوليمة السماوية، حيث يجلس جميع المختارين الى مائدة الملكوت.

الاحتفال الليترجي بالافخارستيا

قداس جميع الاجيال

1345- منذ القرن الثاني، نملك شهادة القديس يوستينوس الشهيد في وصف الخطوط الكبرى للاحتفال الافخارستي. وقد ظلت هي هي حتى ايامنا هذه في جميع العائلات الليترجية الكبرى. وهذا ما كتبه القديس يوستينوس، حوالي سنة 155، ليشرح للامبراطور الوثني انطونينوس الورع (138-161) ما يقوم به المسيحيون:

“في اليوم المسمى يوم الشمس، يجتمع كل الساكنين في المدينة او في الريف، في مكان واحد. في هذا الاجتماع تتلى مذكرات الرسل وكتابات الانبياء، بقدر ما يتسع الوقت لذلك. عندما ينتهي القارئ من قراءته يتناول المتقدم الكلام ليحث الناس ويشجعهم على التشبه بهذه الحسنات.

ثم ننهض كلنا معا، ونرفع صلوات لاجلنا (…) ولاجل جميع الاخرين، اينما كانوا، لنكون في نظر الله ابرارا بسيرتنا واعمالنا، واوفياء للوصايا، فننال بذلك الخلاص الابدي.

في نهاية الصلوات، نقبل بعضنا بعضا.

ثم نقدم لرئيس الاخوة خبزا وكاسا من مزيج الخمر والماء.

فياخذها ويرفع الحمد والتمجيد الى الاب خالق المسكونة، باسم ابنه والروح القدس، ويرفع لشكر (باليونانية: افخارستيا) طويلا لاننا حسبنا اهلا لهذه المواهب .

في نهاية هذه الصلوات وعبارات الشكر، يهتف الشعب الحاضر كله قائلا: امين.

في نهاية صلاة الشكر، وبعد هتاف الشعب، يتقدم الذين نسميهم شمامسة ويوزعون على جميع الحاضرين خبزا وخمرا وماء “افخارستية” ويحملون منها للغائبين” .

1346- الليترجيا الافخارستية تجري طبقا لهيكلية اساسية ثبتت عبر القرون حتى ايامنا، وتنقسم الى قسمين كبيرين يؤلفان وحدة صميمة:

– التجمع، وليترجيا الكلمة مع القراءات والعظة والصلاة الجامعة؛

– الليترجيا الافخارستية، مع تقدمة الخبز والخمر، وصلاة الشكر والتقديس والمناولة.

ليترجيا الكلمة والليترجيا الافخارستية تؤلفان معا “عمل عبادة واحدا” . ولا غرو، فالمائدة المهيأة لنا في الافخارستيا هي، في ان واحد، مائدة كلمة الله ومائدة جسد الرب .

1347- أوليست هذه هي العلاقة نفسها بين الوليمة الفصحية، وليمة يسوع الناهض من بين الاموات، وتلميذي عماوص؟ فاذ كان معهما في الطريق كان يفسر لهما الكتب، ثم جلس معهما للطعام، “فاخذ الخبز، وبارك، ثم كسره وناولهما” .

سياق الاحتفال

1348- يجتمعون كلهم. فالمسيحيون يتواردون الى مكان واحد للاجتماع الافخارستي، وعلى راسهم المسيح نفسه، وهو يؤدي الدور الاول في الافخارستيا. انه الحبر الاعظم للعهد الجديد، وهو نفسه يرئس، بطريقة خفية، كل احتفال افخارستي. وعندما يرئس الاسقف او الكاهن الجماعة (باسم المسيح – الرأس)، ويتكلم بعد القراءات، ويتقبل التقادم، ويتلو الصلاة الافخارستية، فهو انما يمثل المسيح نفسه. كلهم يشتركون فعليا في الاحتفال، وكل على طريقته: القراء، ومقدمو التقادم، وموزعو الافخارستيا، والشعب كله الذي يعرب عن اشتراكه بهتاف: امين.

1349- ليترجيا الكلمة تتضمن “نصوص الانبياء” أي العهد القديم، و “مذكرات الرسل”، أي الرسائل والاناجيل. بعد العظة التي تخص الشعب على ان يقبلوا هذه الكلمة على ما هي حقا، أي كلمة الله ، ويضعوها موضع التنفيذ، تاتي الطلبات لاجل جميع الناس، على حد قول الرسول: “اسال قبل كل شيء ان تقام ادعية وصلوات ابتهالات وافعال شكر من اجل جميع الناس ومن اجل الملوك وسائر ذوي السلطة” ( 1 تي 1:2-2).

1350- تقديم القرابين (التقدمة): ويؤتى الى المذبح حينئذ، في موكب احيانا، بالخبز والخمر اللذين سيقربهما الكاهن باسم المسيح، في الذبيحة الافخارستية، فيتحولان الى جسد المسيح ودمه. وهذا بالذات ما صنعه المسيح في العشاء الاخير “اخذ الخبز والكأس”. “هذه التقدمة تقربها الكنيسة وحدها الى الخالق، طاهرة، وترفع له شاكرة نتاج الخليقة” . تقديم القرابين الى المذبح يحقق ما صنعه ملكيصادق ، ويضع بين يدي المسيح عطايا الخالق. فهو الذي، في ذبيحته، يكلل كل الذبائح التي يسعى البشر الى تقريبها.

1351- لقد اعتاد المسيحيون، منذ البدء، ان يقدموا مع الخبز والخمر المعدين للافخارستيا، تقادمهم الاخرى يوزعونها على ذوي الفاقة. هذه العادة في جمع التبرعات لا تزال قائمة حتى اليوم، وتستوحي مثال المسيح الذي افتقر ليجعلنا اغنياء :

“الاغنياء الذين يرغبون في العطاء يعطون كل بمقدار ما فرضه على ذاته، وكل ما يجمع يسلم الى المتقدم ليغيث اليتامى والايامى والذين جردهم المرض او أي علة اخرى من الموارد، والسجناء والمهاجرين، وينجد، باختصار، كل ذي حاجة” .

1352- الانافورة: مع الصلاة الافخارستية وصلاة الشكر والتكريس نصل الى قلب الاحتفال وقمته:

من المقدمة تشكر الكنيسة للاب، بالمسيح وفي الروح القدس، كل صنائعه: الخلق والفداء والتقديس وتنضم الجماعة كلها الى الكنيسة السماوية، الملائكة وجميع القديسين، الذين يرفعون الى الله المثلث القداسة نشيد حمد متواصل.

1353- في صلاة الاستدعاء تطلب الكنيسة الى الاب ان يرسل روحه القدوس ( او قوة بركته) على الخبز والخمر، ليتحولا، بقدرته، الى جسد يسوع المسيح ودمه، وليصير المشتركون في الافخارستيا جسدا واحدا وروحا واحدا ( هناك تقاليد ليترجية تضع صلاة استدعاء الروح القدس بعد صلاة الاستذكار).

في رواية الحدث التأسيسي للافخارستيا، تتحد قوة كلمات المسيح وعمله وقدرة الروح القدس لتجعلا من جسد المسيح ودمه، ومن الذبيحة التي قرب فيها المسيح ذاته على الصليب دفعة واحدة ، حقيقة سرية ماثلة في اشكال الخبز والخمر.

1354- في صلاة الاستذكار التالية تتذكر الكنيسة الام يسوع المسيح وقيامته وعودته المجيدة، وتقرب الى الاب تقدمة ابنه التي بها نتصالح مع الله.

في صلوات الاستشفاع، تبين الكنيسة اننا نحتفل بالافخارستيا بالاشتراك مع الكنيسة كلها، كنيسة السماء وكنيسة الارض، كنيسة الاحياء والاموات، وفي الشركة مع الرعاة: البابا واسقف الابرشية، ومصف الكهنة والشمامسة وكل اساقفة العالم وكنائسهم.

1355- في المناولة التي تسبقها صلاة الرب وكسر الخبز، يتناول المؤمنون “خبز السماء” و “كاس الخلاص”، جسد ودم المسيح الذي اسلم ذاته “لاجل حياة العالم” ( يو 51:6):

نظرا الى ان هذا الخبز وهذا الخمر قد تحولا الى افخارستيا، على حد التعبير القديم ، “فنحن نسمي هذا الطعام افخارستيا ولا يجوز لاحد ان يشترك فيه ما لم يؤمن بحقيقة ما يعلم عندنا، وما لم يحظ بالغسل لمغفرة الخطايا والحياة الجديدة، وما لم يتقيد، في حياته،بوصايا المسيح” .

لا يمكنك نسخ المحتوى